في الأدب




أن ليس هناك قطيع


في أي دنيا أنت؟ تذكّرني دائماً بذلك الصيني الذي حلم يوماً أنه فراشة تطير بين البساتين استشعر أنه فراشة بكل جوارحه حتى غابت آدميته عنه· استيقظ بعد ذلك فجأة وكان ممدّداً في الفراش كآدمي، لكنه دخل في اللحظة ذاتها في وعي مخيف؛ فجأة لم يعرف في لحظته تلك إن كان إنساناً حلم بأنه فراشة، أو أنه فراشة تحلم بأنها إنسان·
ذكرتني بهذه القصة وأنا استحضرك تحثّ السير في جنونك التاريخي. وراء ماذا؟ تحقيق مستحيلنا، الذي هو مُمْكنك؟ تستعدينا جميعاً عليك، نحن من نذرت لهم العمر آساً وورداً لأنك تنأى بعيداً عنّا حتى لنظن أنك لست منّا· تعيش قيد الأخطار، ونلهث وراء سراب الأمان· تنام ليلك قرير العين، فيما نتقلّب على أسرَّة حُشيتْ همّاً. إزاء لاءاتك التي لا تنتهي نتمتم: نعم، آناء الليل وأطراف النهار. وفي الموسم نحصد سنابل لاءاتك فيما لا ينالك إلا عوسج هزيمتنا. أنت حرّ... وراء القضبان ونحن أرقّاء حتى على الشطآن وفي الصحارى التي هجرها السادة · أنت تعمل ونحن نطعم ثمار عملك· وفيما تعيش قيد الأخطار، نكابد نحن القلق على أنفسنا. حق عليك أخيراً أن تخاف ليس علينا... بل منّا. نحن الذين نذرت لهم العمر شرقاً وغرباً. في كل منا يهوذا الأسخريوطي ينتظر وفيك يسوع رهن الصلب. تسير طريق جحيم عبّدته نواياك الطيِّبة: عوضاً عن أن تعلّمنا الصيد تُطعمنا سمكاً تصيده كل فجر لنا... وبذلك نكون كل فجر مثل سمكك: أسرى شباكك. أولا تدري بعد أنك تصنع بطولاتك بنفسك. بطولات لا تجرؤ على بيعها إلاّ في سماواتنا القاحلة. هذه البطولات تفقد بريقها حينما تكون أمام بطولاتنا. وأنت تدري أنهم لعنوا الشعب الذي لا يغنى عن فتات أبطاله. ولعنوا أولئك الذين يتغذُّون ببطولاتهم على ضعة الشعب وصغاره. إن أنت ابتغيت عتقنا حقّاً، وجب عليك الانعتاق من شباك ذاتك. فما هو العظيم في أن يبدل راع قاصر براع أقدر منه: العظيم أن ليس هناك قطيع· نحن بحاجة لنقيم المتاريس، ونحفر الخنادق ونملأ الصهاريج ... تنتظرنا مهام كثيرة مضنية ومضجرة. ليس هناك ما هو بطولي في جمع الإحصاءات وتصحيح دفاتر الطلاب. وليس رومانسياً جمع القمامة من أحياء المدن، ولا رش المستنقعات بالنفط. وأسوأ شيء يتعيّن أداؤه: مجابهة الجاهل بجهله· ومع ذلك فطريق الحرية مرصوفة قمامة وجهلاً، وتحفّها الخرائب من الجانبين. ليست هناك رحلات، ولا "عوالس" لها. وحتى عروق الذهب غدت كالسحر والسيمياء: خرائب العقل. لقد حان الحين لتنام الفراشة ويستيقظ الإنسان·



ليس للناس بستاني


يصعب تصنيف ما كتبه أنطوان دي سانت إكزوبري (1900 - 1944). ومع أن الناشرين اعتادوا إدراج أعماله في ميدان الرواية, إلا أن ذلك يمثل مشكلة, فالرواية في التقاليد الأدبية السائدة هي عمل يخلق أشخاصاً وأحداثاً من الخيال حتى حين يستخدم الروائي خبرته من أشخاص عرفهم أو أحداث عايشها. لكن إكزوبري يقدم في "بريد الجنوب" و"طيران الليل" و"أرض البشر" و"الطيار الحربي" ما يشبه السيرة الشخصية لأحداثٍ وأشخاصٍ حقيقيين يذكرهم بأسمائهم الحقيقية. هذا
المأزق التصنيفي يستثنى منه "الأمير الصغير" و"القلعة", هذان العملان المعتمدان في بنائهما على الخيال الروائي المعهود.
إضافة لذلك, يستخدم سانت إكزوبري لغة وجدانية تجعل أجزاءً عديدةً من أعمال هذا الكاتب أقرب للاندراج تحت الشعر والملحمة منها تحت الرواية، خصوصاً في روايتيّ "أرض البشر" و"القلعة". وتدفع سمة التأمل الواسع النطاق في رواياته لتندرج في ميدان التفلسف الحقيقي.


يتضح من هذه السمات أنه برغم اعتبار هذه الأعمال روايات، إلا أنها فريدة في ثوبها التقني وفي مضمونها ولا تشبه الروايات التي اعتدنا عليها.
يقدم سانت إكزوبري في أعماله توليفات متعاكسة للغاية: فمن جانب هناك احتفاء هائل بالتكنولوجيا، احتفاء تقصر دونه روايات الخيال العلمي نفسها. فالآلة ـ الطائرة يعاشرها الروائي بتعشق وحنان وكأنها كائن حي. وبالتوازي مع هذه الآلية هناك حالة من التوحد الغنائي مع الطبيعة: النجوم، الصحارى، والرياح...
كيف يرى سانت إكزوبري نفسه المسألة؟
"لا يجب أن يجعلك استخدامك الآلة تقنياً جافاً. يخيل إلي أن أولئك الذين يبالغون في الخوف من تقدمنا التقني يخلطون بين الغاية والوسيلة. من يسعى وراء الخيرات المادية لا يجني شيئاً يستحق الحياة. لكن الآلة ليست غاية, الطيارة ليست غاية: هي أداة كالمحراث. وإذا حسبنا أن الآلة تفسد الإنسان فلربما لأننا نحتاج إلى شيء من الرجوع إلى الوراء كي نحكم على نتائج التحولات السريعة التي تكبدناها. ما قيمة المائة سنة من تاريخ الآلة بالنسبة إلى مائتي ألف سنة من تاريخ البشر؟ بالكاد نحن ألقينا رحالنا في هذا المشهد من مناجم ومحطات كهربائية. بالكاد بدأنا سكنى ذلك البيت الجديد، الذي لمّا ننته من بنيانه. كل شيء تغير حولنا بسرعة: العلاقات الإنسانية، ظروف العمل، العادات. نفسياتنا ذاتها انقلبت في أكثر أسسها حميمية: فأفكار الفراق والغياب والبعد والإياب، لم تعد تصف الأشياء نفسها وإن كانت كلماتها قد بقيت هي ذاتها. فنحن، لكي ندرك العالم اليوم، نستخدم لغة وضعت لعالم الأمس. وحياة الماضي تبدو لنا أفضل استجابة لطبيعتنا، ليس إلا لأنها أفضل استجابة للغتنا. وكل تقدم جديد يبعدنا قليلاً عن عادات لم نكد نتعوّدها. وما نحن إلا مهاجرون لما يؤسسوا وطنهم الجديد...
لا ريب أن بيتنا سيغدو، شيئاً فشيئاً، أكثر ملائمة للطبيعة الإنسانية. الآلة ذاتها، كلما تحسنت زاد احتجابها خلف دورها. يبدو أن كل جهد الإنسان الفني، كل حساباته، كل ليالي سهره فوق المخططات لا تفضي إلا إلى البساطة وحدها. كما لو كان يجب اختيار عدة أجيال كي نبرز، شيئاً فشيئاً، استدارة عمود، هيكل سفينة، أو جسم طيارة، بحيث نعيد إلى هذه الأشياء الصفاء الأول لتكور نهد أو كتف. هكذا يبدو أن عمل المهندسين والرسامين وحسابات مكاتب الدراسات ليست في الظاهر سوى الصقل والمحو، تخفيف هذا اللحام، موازنة ذاك الجانح, حتى لا يعود ملحوظاً، حتى لا يعود ثمة جناح مثبت إلى جسم طيارة، وإنما شكل مكتمل اكتمالاً رائعاً وقد تحرّر أخيراً من معدنه الخام. نوع من مجموع عفوي، مترابط ترابطاً خفياً، ومن الجودة ذاتها التي تصاغ القصيدة منها. يبدو أن الكمال يدرك حين لا يكون هناك داعٍ لإضافة شيء. إن الآلة في تمام نموها، تختفي.
وهكذا بإتقان الاختراع يتوارى الاختراع نفسه. فكما تنمحي من الآلة شيئاً فشيئاً كل آلية ظاهرة وتبدو لنا في النهاية شيئاً طبيعياً مثل حصاة صقلها البحر، فإنه لمن الرائع كذلك أن تحملنا الآلة، في أثناء استخدامها بالذات على نسيانها شيئاً فشيئاً.
كنا فيما سالف الأيام نجد أنفسنا أمام مصنع معقد, أما اليوم فننسى أن ثمة محركاً يدور, فهو يؤدي وظيفته، التي هي الدوران، كما ينبض القلب، وإننا لا نعير قلبنا أي انتباه. فلم تعد الآلة تستغرق انتباهنا. إننا نعود فنجد ما وراء الآلة وعبرها الطبيعة القديمة، الطبيعة التي يشترك فيها البستاني والملاح والشاعر.
مع الماء، مع الهواء، يدخل الطيار الذي يُقلع في اتصال. عندما تندفع المحركات، عندما تمخر الطيارة البحر، فإن هيكلها يصطدم بالموج القاسي فيقرقع، ويمضي الطيار في عمله حتى يكاد ظهره ينقصم. إنه يحس الطيارة المائية ثانيةً ثانية، بمقدار ما تكتسب سرعتها، بمقدار ما يتحكم بالقوة. يحس بذلك الاستعداد للطيران يتجسد في تلك الأطنان الخمسة عشر من
المادة. يطبق الطيار يديه على المقود وإذا به يتسلّم، رويداً رويداً، في راحتيه، تلك القوة كهبة من السماء، حتى إذا بلغت هذه القوة أشدها، تروح الأعضاء المعدنية للمقاود تتحول إلى رسل لقدرته. وما أن تنضج هذه حتى يفصل الربان بحركة أمرن من حركة القطاف، الطيارة عن المياه ويجعلها تستقر على متن الهواء. "أرض البشر"*.
يقدم إكزوبري في هذه الرؤية ما يشبه البشارة بأن العداء السافر بين الآلة والطبيعة, الذي دام عدة قرون, وانطلق مع الثورة الصناعية أمسى ممكناً تجاوزه. ويتم ذلك بتقريب الآلة من الطبيعة, بتطبيعها إن صح التعبير, وأيضاً بتنظيم الطبيعة بحيث نسيطر على تدميرية الآلة ونرشد همجية الطبيعة في ظواهرها العشوائية ونكباتها.
هناك أيضاً بشارة أخرى أشار إليها الروائي الفرنسي أندريه جيد حين كتب:
"ما يعجبني في هذه القصة... هو نبلها... إنني ممتن على وجه الخصوص لسانت إكزوبري لتوضيحه حقيقة غريبة, لها عندي أهمية كبيرة, وهي أن سعادة المرء ليست في حريته بل في قبوله بالواجب. فكل شخص في هذا الكتاب مخلص كل الإخلاص في القيام بما يتوجب عليه من إنجاز مهمة خطرة يجد سعادته في إتمامها... إن الإحساس بالمسؤولية يسيطر على ريفيار: وهو "شعور بالواجب غامض أعظم من مشاعر الحب", ولأن الإنسان لا يجد مطلقاً غايته في ذاته, "بل حين يضحى في سبيل شيء يفوق الإدراك، يسيطر عليه ويحيا منه"**. يعلو رنين هذه التوليفة بقوة: "عظمته هي في شعوره بأنه مسؤول؛ مسؤول عن نفسه، عن بريده وعن رفاقه الذين يأملون أنه يمسك بيديه تَرَحَهم أو فرحهم. مسؤول عما يشيد من جديد، هنالك عند الأحياء، والذي عليه أن يساهم فيه, مسؤول قليلاً عن مصير البشر، بنسبة عمله. فأن تكون رجلاً، فهذا بالضبط معناه أن تكون مسؤولاً. هو أن تعرف الخجل بإزاء البؤس الذي لا يمسك، هو أن تكون فخوراً بانتصار أحرزه الرفاق. هو الشعور بأنك حين تثبت حجراً تساهم في بناء العالم.
إننا نميل إلى خلط أمثال هؤلاء الرجال بمصارعي الثيران أو اللاعبين, نمتدح احتقارهم الموت. ولكنني أهزأ باحتقار الموت، فهو إن لم يستمد جذوره من مسؤولية مقبولة لم يكن غير علامة فقر أو حميّا فتوة. لقد عرفت شاباً منتحراً، لم أعد أدري أي تعاسة حب كانت قد دفعتْه إلى إطلاق رصاصة بعناية في قلبه، لا أدري إلى أي إغراء أدبي كان قد أصابه فكسا يديه بقفازين بيضاوين. ولكني أذكر أنني أحسست إزاء ذلك التصنّع المحزن شعوراً ليس بالنبل وإنما بالبؤس. هكذا وراء هذا الوجه الودود تحت جمجمة الرجل هذا، لم يكن ثمة شيء، أي شيء, اللهم غير صورة صبيّةٍ بلهاءَ شبيهةٍ بسواها.
حيال هذا الموقف الهزيل، تذكرت ميتة رجل حقيقية, ميتة بستاني, كان يقول لي: "أتدري... أحياناً أعرق فيما أنا أنكش الأرض. داء العصب يأخذ جنبي فألعن هذه العبودية. أما اليوم، فأني أود أن أنكش، أنكش الأرض. النكش يبدو لي جميلاً جداً. لكم نكون أحراراً عندما ننكش! وبعدي، فمن سيقلم أشجاري؟" كان يترك أرضاً بوراً، يترك نجمة من النجوم بوراً. كان مشدوداً بالحب إلى جميع الأراضي وإلى جميع أشجار الأرض. كان هو السخي، الوفي، السيد الكبير! كان هو مثل "غيومه"، الرجل الشجاع عندما كان يناضل باسم خليقته ضد الموت. (أرض البشر).
وتتكرر التوليفة من جديد في موقع آخر من الرواية:
"عندما يشدنا إلى إخوتنا هدف مشترك يقع خارجاً عنا، حينئذٍ فقط نتنفس وتدلنا التجربة على أن الحب ليس هو أن نتبادل النظرات وإنما أن ننظر معاً في اتجاه واحد. ما من رفاق إلا إذا هم اتحدوا في الرباط نفسه، بفرح فياض إذ نقتسم آخر زادنا في الصحراء. ما قيمة توقعات علماء الاجتماع هنا؟ جميع الذين عرفوا من بيننا فرح عمليات الإنقاذ الصحراوية الكبير، غدت كل لذة أخرى لهم تافهة".
هذه التوليفة، توليفة الواجب الذي يتعين على الإنسان الحر تلبيته لتحقيق أخوته الشاملة مع بني البشر تبرز باستمرار في روايات الكاتب وتجد تعبيرها الأشد قوة في عمله الأخير: القلعة. وبرغم بساطة الفكرة بحد ذاتها إلا أن الإعلان عنها بهذا الإصرار في الأدب الغربي المنطلق من مجتمعات تقدس النزعة الفردية، والتي تبلغ حدوداً مرضيةً في هوسها بالحرية الشخصية، والتحلل قدر الإمكان من الواجبات. هذا الإعلان يشكل شجاعة نادرة وأصالة فلسفية عند سانت إكزوبري, ويشكل وهذا هو الأهم إيمانه بمبدأ "الالتزام", الالتزام بقضية الإنسان وبخدمة البشر, على نقيض أولئك المبدعين الذين تشكل الحرية لهم (حريتهم الذاتية) وسيلة لخلاصهم الفردي، حتى وإن خرب العالم من حولهم.
يقول الحاكم في القلعة: "إنني أحقق إرادتي حينما أبسط الأمور، حينما أدفع كل إنسان ليكون مختلفاً، أوضح رؤيةً، أكثر سخاءً وأشد توهجاً. بكلمة واحدة؛ حينما يكون متحداً مع ما يأمل أن يكونه. وحالما يغدو كذلك، ولأن عيناه الآن قد تفتحا فإنه ينسلخ عن ذاته القاصرة النمو, التي كان يمتلكها فيما مضى. عندئذٍ تراه مذهولاً، غير مصدق, مفتوناً بإشراقته المباغتة، ومنذ تلك اللحظة هو حليفي...".
ومن توليفة الواجب- الحرية، نستخلص ثيمة كبرى تطبع أعمال الكاتب، أضاءتها الفقرة الماضية, تلك المنافسة ما بين الذات الراهنة والذات الأخرى التي تحب أن تكونها، أو التي يمكن أن تكونها لو تضافرت الظروف المواتية. يختم سانت إكزوبري روايته أرض البشر بهذا المقطع:
"كان طفل يرضع أماً منهكة حتى أنها كانت تبدو نائمة، وهكذا كانت الحياة تنقل من جسد إلى جسد في لا معقول هذه الرحلة وفي فوضاها. نظرتُ إلى الأب فرأيت جمجمة ثقيلة عارية مثل الحجر الأملس, وجسداً مكوماً سجيناً في ثياب العمال، جسداً تشوهه النتوءات والحفر. كان الرجل شبيهاً بكومة صلصال... وفكرت: ليست المشكلة في هذا البؤس، ولا في هذه القذارة، ولا في هذه البشاعة، فهذا الرجل وهذه المرأة، قد تعارفا ذات يوم وابتسم الرجل دون ريبٍ للمرأة, وحمل إليها بعد العمل أزهاراً. ولعله كان يرتجف، حيياً مرتبكاً، خوفاً من أن يقابَل بالإعراض. ولكن المرأة كانت، بدافع غنجها الطبيعي، المرأة الواثقة من نعمائها لعلها كانت تستمتع بإقلاقه. وإذا به، وهو الذي لم يعد اليوم سوى آلة للحفر أو الطرق، يشعر وقتها بالغصة العذبة في قلبه. السر الغامض هو كيف استحال هذان الشخصان إلى هاتين الصرتين من الصلصال؟ وفي أي قالب شنيع مرّ جسداهما حتى ترك فيهما هذه الآثار؟ إن حيواناً شائخاً يظل محتفظاً برشاقته، فلماذا يفسد هذا الصلصال البشري الجميل؟
وجلست أمام رجل وزوجه. كان الطفل قد اتخذ لنفسه، كيفما اتفق، فجوة بين الرجل والمرأة، وغفى ولكنه استدار في السبات وبدا لي وجهه تحت ضوء المصباح. يا للوجه الآسر! لقد ولد هذان الزوجان طفلاً كأنه ثمرة ذهبية. لقد أنجب هذان الخشنان ذوي الأسمال الغليظة هذا الانتصار للفتنة والإشراق.
انحنيت على هذا الجبين الناعم, على هذه الغمزة العذبة للشفتين، وقلت لنفسي: هو ذا وجه موسيقي، هو ذا موزارت الطفل، هو ذا هدية جميلة تقدمها الحياة. إن الأمراء الصغار الذين نسمع عنهم في الحكايات لا يختلفون عنه في شيء: فماذا يصبح هذا الطفل لو حُمي ورُعي وثُقف؟ عندما تنبت في الحديقة وردة جميلة يهرع نحوها جميع البستانيين فيعزلونها ويعنون بها ويؤثرونها على غيرها، ولكن ليس للناس بستاني. وسوف يترك القالب في موزارت الطفل آثاره كما يفعل ببقية الناس. وسوف يجد موزارت متعته الكبرى في سماع الموسيقى الكريهة في المقاهي الفاسدة. إن موزارت هذا محكوم عليه بالإعدام.
عدت إلى مقطورتي، وأنا أقول لنفسي: هؤلاء الناس لا يتألمون لحالهم. وليس الإحسان هو ما يقلق بالي. ليست المسألةُ مسألةَ رثاءٍ لجرحٍ لا يلتئم, فأولئك الذي يحملونه لا يشعرون به. الجريح هنا هو الجنس البشري بأكمله وليس الفرد... ما يعذبني ليس هو هذا البؤس فإن الإنسان ينتهي إلى الرضاء بذلك البؤس. وأجيال عديدة من الشرقيين تعيش في الأقذار وتنعم فيها... ما يعذبني ليس هو هذه الحفر، ولا هذه النتوءات، ولا هذا القبح. ما يعذبني هو أن في كل من هؤلاء الناس هناك موزارت مذبوح.
وفي موقع آخر من الرواية نفسها هناك تنويعة أخرى من المفهوم ذاته: "المواهب تلعب ولا شك دوراً. البعض يحجرون أنفسهم في حوانيتهم. آخرون يواصلون سبيلهم، بشكل قاهر، في اتجاه ضروري: إننا نعثر في تاريخ طفولتهم على نطفة الاندفاعات التي تفسر مصيرهم. على أن التاريخ إذا قُرئ بعد الأوان خدَعَ.
هذه الاندفاعات نعود فنجدها عند الجميع تقريباً. جميعنا أصحاب حوانيت اكتشفوا، ذات ليلة غريقاً أو حريقاً. إنهم أكبر من أنفسهم. إنهم لا يخطئون بتاتاً في نوعية اكتمالهم، هذا الحريق يظل طيلة حياتهم، ولكنهم بسبب انعدام الفرص الجديدة، انعدام الأرض المؤاتية، انعدام دين متطلّب, استسلموا للسبات دون أن يؤمنوا بعظمتهم الخاصة. أكيد أن المواهب تساعد الإنسان على الانعتاق: ولكن ضروري أيضاً إعتاق المواهب".
بضربات ريشته يرسم هذا الفنان لوحةً كابوسيةً معبرةً عن داء الاستلاب (الاغتراب) الذي يعصف بالبشرية. لكن إكزوبري برغم مراقبته الحادة لمظاهر الداء الخارجية، إلا أنه يتحاشى أن يغوص عميقاً في جذور المرض. قد يكون السبب يكمن في أن سانت إكزوبري لم يكن يلم بأحابيل الاقتصاد السياسي ولم يكن يهتم بفهم المجتمع وأنظمة النفوذ والثروة ولا في فهم كيف ينشأ البؤس في عالمنا. والنتيجة الطبيعية لوقوفه خارج جهد التحليل والتفسير الاجتماعي أن سانت إكزوبري آثر العودة إلى الحلول المجربة, السهلة، حيث الحب (بكل تداعياته اليهودية- المسيحية - البوذية) هو المخلّص الأعظم. وهذا النكوص لماضٍ أساسه الحب الإنساني هو ما يفسر كيف أننا ونحن نقرأ إكزوبري نستشعر بقوة رؤية الكاتب الدقيقة للضرورة القصوى للوثوب وتجاوز الحال القائمة نحو ذات (مختلفة, أوضح رؤية, أكثر سخاءً, واشد توهجاً)... لوثوب من الطفل (موزار المذبوح) إلى الرجل (موزار حياً) ونستشعر أيضاً الطرف الآخر المناقض المضاد للوثوب نحو الممكن, والمتشبث بماضٍ ولّى, والقابض على حاضر لا محالة سيولّي. هذا الطرف التي تكشفه النبذة التالية:
"لا شيء أبداً في الواقع يحل محل الرفيق المفقود. لا نستطيع أن نخلق قدامى الرفاق. لا شيء يوازي كنز تلك الذكريات المشتركة، وتلك الساعات العسيرة التي عشناها معاً، بما فيها من الخلافات، والمصالحات ونزوات القلب. مثل تلك الصداقات لا تبنى من جديد. هل نرتجي لو غرسنا سنديانة، أن نستظل أوراقها بعد أمد قصير؟ هكذا تمضي الحياة: لقد أثرينا بادئ ذي بدء, زرعنا خلال أعوام, ولكن تأتي الأعوام ويعفي الزمن فيها على هذا العمل، ويجتث الأشجار، فيسحب الرفاق، واحداً واحداً، ظلّهم عنّا، وبحدادنا يمتزج الأسى الخفي على أننا نشيخ". "أرض البشر".
أحقاً أنه لا شيء يوازي كنز تلك الذكريات المشتركة؟ أو لا يمكن بعيشنا الحاضر والمقبل وخوضنا الشامل غمار العالم أن نجد رفاقاً جدداً أجمل ممن فقدنا، وأن نخلق لا ذكرى ميتة جميلة كفراشةٍ محنطة, بل حاضراً متدفقاً كفراشةٍ تطير؟ أو لا يمثل هذا التقديس لما انتهى انتقاصاً وحطاً مما سيأتي؟ أو لسنا ونحن نرى في أشخاص الماضي, أجدادنا وآبائنا كل شيءٍ سامٍ وعظيم نخفض من منزلة أطفالنا وأحفادنا؟ أو لسنا ونحن نفكر هكذا إنما نعيد إنتاج علاقات القوة التي تعتمد في استمرارها على هكذا أفكار: حكم كبار السن, قيم الأخلاق والجمال التي تكونت في عصور أخرى, وضمن شريعة البقاء للأقوى والعبودية واللامساواة بين الجنسين وبين الأعراق والطوائف. بل ألا يكرس هذا المنظور نظامنا الراهن بكل عنفه ضد الأطفال والمعوقين والعجائز والمصابين بالبدانة ومن لا يمتلكون وجهاً جميلاً وضد الحيوانات والطبيعة؟
لكن ما يشفع لسانت إكزوبري أنه ليس أبيضاً أو أسوداً. ولا هو بالرمادي كذلك. إنه يقدم لوحةً ملونةً غنيةً تستعصي على إطلاق الأحكام جزافاً. والبساطة في أسلوبه, كما تدل عليه قصته "الأمير الصغير", تبسط تحتها طبقات من العمق والتعبير المقارب لكثير من ألغاز والتباسات حالنا الإنسانية. أنظر إليه يحادث أحدهم معرياً وصفه الاجتماعي:
"أيها الموظف القديم، يا رفيقي الحاضر هنا، ما من أحد حملك على الفرار ولست مسؤولاً عن ذلك. لقد أقمت سعادتك, كالنمل الأبيض, كل مخرج يوصلك للنور. لقد تحصنت في داخل ممتلكاتك، في رتاباتك، في طقوس حياتك الريفية الخانقة، رفعت هذا السور الوضيع في وجه الرياح والمد والنجوم، إنك لا تريد الانهماك بالمسائل الكبرى، كلفت نفسك ما يكفيها عناءً لكي تنسى وضعك كإنسان، لم تعد ساكن كوكبٍ سيارٍ، ولا أنت تطرح على نفسك أسئلة بلا جواب. إنك مالك صغير*** من تولوز، لم يأخذ أحد بيدك في الوقت المناسب. والآن، جفت طينتك ويبست، ولم يعد أحد ليستطيع أن يوقظ فيك الموسيقي الغافي ولا الشاعر ولا الفلكي الذين ربما سكنوا في حنايا نفسك". "أرض البشر".
مرة أخرى يسلط سانت إكزوبري كشاف الاستلاب الذي يسقط فيه البشر، ومن جديد يتلو هجومه ضد الداء بإضاءات قصيرة لوضع التعافي الإنساني بعد الفقرة نفسها حيث يقول:
"لم أعد أشكو وابل المطر، فسحر المهنة يفتح لي عالماً سأواجه فيه قبل أن تمر ساعتان, الشياطين السود، وهامات الجبال تتوجها البروق الزرق، حيث أسير وقد هبط الليل وتحررت أقرأ طريقي في الكواكب".
ومن تولوز الفرنسية يطير سانت إكزوبري إلى أمريكا اللاتينية ليسبر الوهم الرومانسي:
هبطتُ بونتا أريناس في هدأة السماء، أسندتُ ظهري إلى نافورة وأخذتُ أرقب الصبايا، وها أنا ذا أحس، على خطوتين من سحرهن، بالسر الإنساني إحساساً أكمل. ففي عالم تتصل فيه الحياة بالحياة، وفي عالم تتصل فيه الزهور بالزهور على فراش الريح، حيث البجعة تعرف جميع البجع، البشر وحدهم ينفصلون عن بعض ويبنون عزلتهم...
هذه صبية تحلم وتكون لنفسها عالماً يعزلها عني، فكيف أستطيع أن أفهمها؟ وما عسى نعرف عن فتاة تعود إلى دارها وئيدة الخطى مخفوضة العينين وهي تبسم لنفسها وقد أفعمت بمعسول الأكاذيب؟ لقد استطاعت أن تبني لنفسها عالماً خلقته من أفكار حبيبها، من صوته، من صمته. ثم أضحى كل من عداه وحوشاً بالنسبة لها. إني لأحسها سجينة سرها وعاداتها وأصداء ذاكرتها... في كوكب آخر. لقد ولدت أمس من البراكين، من العشب أو من ملح البحار...". (أرض البشر).
هذه بطاقة تعارف صغيرة لعلمٍ من أعلام الأدب المعاصر لم ينل التذوق الكافي لدى قارئنا العربي؛ علم رائد في أعماله الإبداعية, ورائد في حياته الشخصية التي كانت ترجمة حية لما آمن به. وهو صورة مختلفة عن المبدع التقليدي المتفرغ للإبداع، فقد كان الإبداع عند سانت إكزوبري هوايةً تمارس خلسة، وليست حياةً يستبدل بها حياته الحقيقية كطيار، كإنسان عامل، مسافر أبداً, متفاعل دوماً في دنيا الناس. سانت إكزوبري كان أديباً لا- أديباً، النقيض الكامل للأديب المحترف, وكان نموذجاً مضاداً للأديب الذي يرفع أدبه إلى منزلة تعلو على الحياة.
أعمال سانت إكزوبري:
1) بريد الجنوب, أنجز كتابته في العام 1927.
2) طيران الليل, 1930.
3) أرض البشر (عنوان آخر: رياح ورمال ونجوم), 1938.
4) الطيار الحربي (أو الطيران إلى أراس), 1941.
5) الأمير الصغير, 1943.
6) القلعة أو (حكمة الرمال)، عمله الأخير الذي لم ينجز وضع لمساته الأخيرة عليه، بسبب موته الفجائي في مهمة عسكرية كطيار في العام 1944.
* تم الاقتباس بتصرف من ترجمتي العمل المنشورتين بالعربية. كل الاقتباسات اللاحقة تمت أيضاً بتصرف.
** من مقدمته للطبعة الفرنسية من طيران الليل (1931).
*** حرفياً: بورجوازي صغير.
المصادر:
1- سانت إكزوبري بقلمه- لوك ايتستانغ- المنشورات العربية- بيروت- بلا تاريخ.
2- أرض البشر- أنطوان دي سانت إكزوبري- ترجمة مصطفى كامل فوده- دار المدى للثقافة والنشر- دمشق 2001.
3- أرض البشر- أنطوان دي سانت إكزوبري- ترجمة أخرى للرواية نفسها لجوزف صايغ- المنشورات العربية- بيروت- بلا تاريخ.
4- طيران الليل- أنطوان دي سانت إكزوبري- المنشورات العربية- بيروت- بلا تاريخ.
5- الأمير الصغير- أنطوان دي سانت إكزوبري- المنشورات العربية- بيروت- بلا تاريخ.
6- The Wisdom of the Sands- Antoine de Saint Exupery, UCP, Chicago, 1979
7- Southern Mail, Antoine de Saint Exupery, Harcourt Brace Jovanovich, NY 1971




زهور حمراء في جزيرة تود أن تقهر قارة


       "سأخبر عن أن في عروقي تسري دماءٌ امتزجت بالهزيمة وبالاستسلام. إن في عروق الأرض الغادرة تسري دماء مختلفة, ولهذا فإن الزهور البرية تكتسي بلون آخر, يهودي أحمر. ذهبَتْ فلسطين ولن تعود, فُقِدتْ إلى الأبد. والآن إذ ولّى كل شيء لم يبقَ إلا ذل الخسارة" أنطون شماس, من روايته العبرية "عرابيسك"


الأستاذ أنطون شماس!
لقد ذهبت بعيداً!
تُذكرني بالشهيد الراحل غسان كنفاني. كلاكما أديبان عربيان من فلسطين. لكن المقارنة تتوقف عند هذا الحد؛ فهناك محيط يفرق بينكما. ليس الفارق في أنه كان يكتب بالعربية, بينما أنت تكتب بالعبرية. الفارق أنه كتب عنك قبل أن توجد.
في روايته "عائد إلى حيفا" يروي كنفاني مأساة أسرة عربية من فلسطين فُصِلتْ عن ابنها خلدون وبيتها في حيفا عام النكبة 1948. وبعد أن امتدت يد الاحتلال بعد عشرين عاماً إلى الضفة الغربية تسنّى للأسرة أن تذهب للبحث عن الطفل بنفسها بعد فشل الجهود التي بُذلتْ عن بعد. في حيفا اكتشف الأب والأم أن ابنهما خلدون تبنته أسرة يهودية وأصبح إسرائيلياً.
"... كان يلبس بزة عسكرية, ويحمل قبعته بيده. وتقدم الشاب من ميريام (الأم اليهودية), وأخذ يقول لها بصوتٍ أراد منه أن يكون قاطعاً ونهائياً ومسموعاً تماماً:
ـ "وماذا جاءا يفعلان؟ لا تقولي أنهما يريدان استرجاعي!".
وقالت ميريام بصوت مماثل:
ـ "اسألهما".
واستدار كقطعة خشب, كأنه ينفّذ أمراً, وسأل سعيداً:
ـ "ماذا تريد ياسيدي؟".
وظل سعيدٌ (الأب العربي) محتفظاً بهدوئه الذي بدا له لحظة ذاك مجرد قشرة رقيقة تخفي لهباً كامناً. وبصوتٍ خفيضٍ قال:
ـ "لا شيء. لاشيء... إنه مجرد فضول, كما تعلم".
وسأل سعيدٌ, بهدوئه المفاجئ:
ـ "وأنت في الجيش؟ من تحارب؟ ولماذا؟". وانتفض الشاب واقفاً فجأةً:
ـ "ليس من حقك أن تسأل هذه الأسئلة. أنت على الجانب الآخر".
ـ "أنا؟ أنا على الجانب الآخر؟".
وضحك بقوة, وشعر بأنه عبْرَ تلك القهقهة العالية كان يدفع بكل ما في صدره من أسى وتوتر وخوف وفجيعة إلى الخارج... إلا أن الشاب قاطعه بحدة:
ـ "لستُ أرى سبباً للضحك".
ـ "أنا أرى".
وضحكَ لفترة قصيرة فحسب, ثم صمتَ, وامتد الصمت طويلاً, إلا أن صفية, التي عادتْ فهدأتْ نفسها, سألتْ بصوتٍ خفيضٍ:
ـ "ألا تشعر بأننا والداك؟".
ولم يعرف أحد لمن كان السؤال. فلا شك أن ميريام لم تفهم, ولا الشاب الطويل القامة. أما سعيد فلم يردّ.
وعندها قال الشاب, وقد تغير صوته تماماً:
ـ "دعونا نتحدث كأناس متحضرين".
وعاد الشاب فوقف, وأخذ يتحدث وكأنه حضّر تلك الجمل منذ فترةٍ طويلةٍ:
ـ "أنا لم أعرف أن ميريام وايفرات ليسا والديّ إلا قبل ثلاث أو أربع سنوات منذ صغري. وأنا يهودي, أذهب إلى الكنيس وإلى المدرسة اليهودية وآكل الكوشير وأدرس العبرية. وحين قالا لي أنني لستُ من صلبهما لم يتغير أي شيء, وكذلك حين قالا لي, بعد ذلك, أن والديّ الأصليين هما عربيان, لم يتغير أي شيء. لا, لم يتغير. ذلك شيء مؤكد... إن الإنسان هو في نهاية الأمر قضية".
وعاد الشاب الطويل القامة يمشي وهو يعقد كفيه وراء ظهره: ثلاث خطوات نحو الباب وثلاث خطوات نحو الطاولة. وفجأة قال:
ـ "بعد أن عرفتُ أنكما عربيان كنتُ دائماً أتساءل بيني وبين نفسي: كيف يستطيع الأب والأم أن يتركا ابنهما وهو في شهره الخامس ويهربان؟ وكيف يستطيع من هما ليسا أمه وأباه أن يحتضناه ويربياه عشرين سنة؟ عشرين سنة؟ أتريد أن تقول شيئاً يا سيدي؟".
ـ "لا". قال سعيد باختصار حاسم, وأشار له بيده كي يتابع:
ـ "إنني في قوات الاحتياط الآن, لم يُقدّر لي خوض معركة مباشرة إلى الآن لأصف لك شعوري, ولكن ربما في المستقبل أستطيع أن أؤكد لك مجدداً ما سأقوله الآن: إنني أنتمي إلى هنا, وهذه السيدة هي أمي, وأنتما لا أعرفكما ولا أشعر إزاءكما بأي شعور خاص".
ـ "لا حاجة لتصف لي شعورك فيما بعد, فقد تكون معركتك الأولى مع فدائي اسمه خالد وخالد هو ابني, أرجو أن تلاحظ أنني لم أقلْ أنه أخوك, فالإنسان كما قلت قضية, وفي الأسبوع الماضي التحق خالد بالفدائيين... أتعرف لماذا أسميناه خالد ولم نسمّه خلدون؟ لأننا كنا نتوقع العثور عليك, ولو بعد عشرين سنة, ولكن ذلك لم يحدث. لم نعثر عليك... ولا أعتقد أننا سنعثر عليك".
مشى سعيد خطوتين وأخذ, مرة أخرى, يعد ريشات الطاووس الخمس التي كانت في المزهرية الخشبية, ولأول مرة منذ دخل الشاب الطويل القامة إلى الغرفة, نظر إلى ميريام, وببطء قال لها:
ـ "إنه يتساءل كيف يترك الأب والأم ابنهما الرضيع في السرير ويهربان... أنتِ يا سيدتي لم تقولي له الحقيقة, وحين رويتها له كان الوقت قد مضى, أنحن الذين تركناه؟ أنحن الذين قتلنا ذلك الطفل قرب كنيسة بيت لحم في الهادار؟ الطفل الذي كانت جثته, كما قلت لنا, أول شيء صدمك في هذا العام الذي يسحق العدل بحقارة كل يوم... ربما كان ذلك الطفل هو خلدون! ربما كان ذلك الشيء الصغير الذي مات ذلك اليوم التعيس هو خلدون... بل إنه خلدون, وأنت كذبت علينا إنه خلدون, وقد مات, وهذا ليس إلا طفلاً يتيماً عثرت عليه في بولونيا, أو إنكلترا".
كان الشاب الطويل القامة ينكفئ على نفسه كشيء محطم في كرسيه, وقال سعيد لنفسه: "لقد فقدناه, ولكنه بلا ريب فقد نفسه بعد هذا كله, ولن يكون أبداً كما كان قبل ساعة". وأعطاه هذا الاعتقاد شعوراً غامضاً بارتياح لا يفسر. وذلك كان ما دفعه نحو الكرسي الذي كان الشاب الطويل القامة جالساً عليه, ووقف أمامه وقال له:
ـ "الإنسان في نهاية المطاف قضية, هكذا قلت, وهذا هو الصحيح, ولكن أية قضية؟ هذا هو السؤال! فكر جيداً. خالد هو أيضاً قضية, ليس لأنه ابني, في الواقع... أننا حين نقف مع الإنسان فذلك شيء لا علاقة له بالدم واللحم وتذاكر الهوية وجوازات السفر... هل تستطيع أن تفهم ذلك؟ حسناً, دعنا نتصور أنك استقبلتنا ـ كما حلمنا وهماً عشرين سنة, بالعناق والقبل والدموع... أكان ذلك قد غيّر شيئاً؟ إذا قبلتنا أنت, فهل نقبلك نحن؟ ليكن اسمك خلدون أو دوف أو إسماعيل أو أي شيء آخر... فما الذي يتغيّر؟ ومع ذلك فأنا لا أشعر بالاحتقار إزاءك, والذنب ليس ذنبك وحدك, ربما سيبدأ الذنب منذ هذه اللحظة ليصبح مصيرك, ولكن قبل ذلك ماذا؟ أليس الإنسان هو ما يحقن فيه ساعة وراء ساعة ويوماً وراء يوم وسنة وراء سنة؟ إذا كنتُ أنا نادماً على شيء فهو أنني اعتقدتُ عكس ذلك طوال عشرين سنة"!
الأستاذ أنطون شماس
لقد ذهبت بعيداً!
إن كان كنفاني قد استبق الواقع الخارجي في روايته ووصف حالة العربي الذي ينضم إلى المعسكر الآخر, فإن حالتك تبقى أبلغ من خيال كنفاني. فخلدون ـ دوف كان حيواناً تحت الأسر روّضَتْهُ الأسرة الإسرائيلية ترويضاً وتربية وأوهمتهُ أغلب عمره أنه إسرائيلي, فكان أقصى طريق سلكه في إسرائيليته أنه خدم في جيش الاحتياط, أما واقعتك أنت أنطون شماس فهي أعنف في فجيعتها: لقد وُلِدتَ في أسرة عربية تحت الاحتلال الإسرائيلي, لكنكَ مضيتَ مسافات أبعد بكثير.
بعد زيارة الرئيس السادات للقدس مضى العديد من كتابنا العرب في مصر أيضاً مسافات بعيدة, منهم من برّر تصرفات السادات ومنهم من كان ساداتياً أكثر من السادات, لكنهم جميعاً انطلقوا من ما فهموه أنه مصلحة مصر. وواقعية السادات "الريلبوليتكية", التي افتقدت الالتزام بالقضية العربية وقضية الشعب الفلسطيني وحتى بأهمية أن لا يضار من الصفقة أطراف عربية أخرى, انطلقت هي الأخرى من منظورها "للمصلحة" المصرية, لا الإسرائيلية قطعاً...
أما موقفك فشيء آخر.
لقد قطعتَ مسافة أبعد بكثير. نقل عنك مراسل النيويورك تايمز في حوار أجراه معك في مدينة القدس ما يثير ألف سؤال وأحجية في محاولته الإجابة عن ظروف كتابة روايتك "أرابيسك" بالعبرية, أنت العربي الفلسطيني.
كتبتْ الصحيفة الأمريكية عنك:
"يبلغ المؤلف شماس الثامنة والثلاثين من عمره, وهو فلسطيني من بلدة فاصوتا في شمال إسرائيل, وقد جلس يوماً في إحدى مقاهي القدس وتحدث عن الدوافع التي حَدَتْ به لكتابة رواية عبرية. إنه ينتمي إلى أقلية عربية وُلِدَتْ في إسرائيل بعد عام 1948 وتَعتبِر نفسها إسرائيلية أكثر من أن تكون فلسطينية. وبالنسبة للمؤلف فإن كلمة "إسرائيل" تمثل تعبيراً علمانياً أو دنيوياً لا علاقة له بالدين. ويحاول المؤلف عبر كتابة رواية بالعبرية أن يقول للإسرائيليين أنه ينتمي إليهم وأنه يجد هويته القومية داخل كيانهم السياسي ولا يسعده أن ينتمي إلى دولة فلسطينية في الضفة الغربية أو دولة الأردن.
ويقول أن روايته بمثابة إعلان منه أنه بعد أن قضى كل حياته في إسرائيل يجد أن ما بينه وبين الإسرائيلي العادي أكثر من الذي يعيش في الأردن ويقول: "لا تكمن المسألة في من هو اليهودي ولكن في من هو الإسرائيلي؟ ولقد حاولتُ عن طريق الشكل الأدبي أن أُقنع نفسي والآخرين بوجود مواطن إسرائيلي لا يكون بالضرورة يهودياً. وقد وصف أحد النقاد الأدبيين الرواية بأنها بالفعل أول رواية "إسرائيلية" كتبت حتى الآن".
إن الكلمات الأخيرة تقول الكثير لا عن إفلاس الثقافة الإسرائيلية التي تأتي أنت ـ العربي ـ بعد عدة عقود على نشأتها لتكتب فعلياً أول رواية لها, إنها أيضاً تقول الكثير عنك أنت الذي أوغلت بعيداً... وعلى صعيد شخصي ربما أبعد من السادات نفسه, فالأخير ساوم على حقوق قابلة للاسترداد بالكفاح الطويل, لكنكَ أعطيتَ كل ما تملكه, روحك, التي ما أدبك إلا تعبير عنها.
أنت نفسك تكتب للإسرائيليين في مقالة صحافية: "كلانا لا يعرف إلى أي مدى هو جزء من يد الآخر, فأنتم تقومون بدور اليد اليمنى بينما أقوم بدور اليد اليسرى ولكن بعضاً من أصابعكم جزءٌ مني كما أن بعضاً من أصابعي جزءٌ منكم... وبعد أن كتبت هذا الكتاب الذي أعتبره بطاقتي الشخصية الحقيقية فقد أصبح من الصعب إقصائي عنكم".
أنت تعتبر كتابك تحدياً للإسرائيليين, تحدياً لعقليتهم الاحتكارية التي تستثني الآخرين ـ الغوييم ـ لأنك تريد الاندماج بهم, كتابك كما تقول هو منك أنت الكاتب إليهم, القراء الإسرائيليين, دعوة للعناق.
... بعيداً عن العناق مع الإسرائيليين, يجدر الحديث عن نأيك عنا, فقدك لنا... لأنك بالتأكيد وضمن أكثر من مائة وسبعين مليون عربي لا تمثل فقداً يذكر لنا, حتى بين حَمَلة الأقلام الآلاف من المغرب وحتى عمان ومن لبنان وحتى اليمن. فقدك لنا وتقديمك نفسك لهم يشكل مأساة لأن الثمن الذي نلته بخس. ثمن أن تتربع على عرش الرواية الإسرائيلية, ثمن أن توزع نيفاً وعشرين ألف نسخة, ثمن أن تترجم إلى لغات الأرض عبر آلة النشر الصهيونية العالمية... حتى ثمن أن تنال جائزة نوبل للآداب. بخس هذا الثمن بكافة المعايير لأنك إذ سرت بعيداً دفعت ثمناً غالياً, كل ما تملكه كينونتك, إلى مشترٍ يرفضك بالكامل, بالمطلق, وعلى استعداد ليدخل حرباً نووية ليمنع تحوله إلى كيان علماني تتساوى فيه أنت مع اليهودي, كيان يتجاهل عرق الإنسان ودينه وطائفته...
ولعلك لا تعلم, أو تعلم لكن علمك بشيء تود أن تتناساه أنك كنت ولا تزال, مواطناً من الدرجة الثالثة في إسرائيل أي ثلث مواطن: ثمن انتمائك لإسرائيل, أن تصبح ثلث إنسان.
فرق أن يكون هذا وضعاً فرض عليك وتتمرد عليه بدءاً بانضمامك لقوى الثورة الفلسطينية مروراً باستخدامك الحجارة ـ وانتهاءً برفضك الداخلي, وهو أضعف الإيمان, وبين أن تعانق قاهريك... وأن تلعق أحذية الطغيان.
لقد ذهبت بعيداً للغاية.
ما يدرينا؟ لعل فرح الإسرائيليين بك لا يعدو اغتباط المستعمر بنفسه وهو يشاهد أبناء من يستعمرهم يتحدثون لغته... لعلك بيدقٌ في الحرب النفسية الإسرائيلية, بعلمك أو بغيره, يقول لنا مخططو الحرب عبرك: انظروا! هذا واحد منكم كيف أعدنا خلقه وتشكيله واستيعابه فإذا هو ينطق لغتنا ويحاور برموز ثقافتنا نحن الطارئين الجدد الذين لما تضرب جذورهم في التراب بعد أن استطعنا قهركم أنتم الذين تمتد حضارتكم العربية إلى ألفي عام, فإذا بواحد منكم يدير ظهره لامرئ القيس والجاحظ والمتنبي ويلهج بألفباء شارون ومائير كاهانا.
لعلك كل هذا, ولعلك فعلاً مبدع عبراني شاء سوء طالعه أن يولد عربياً فاضطر ليمارس الانسلاخ والبرء من هويته. نحن نعلم أن هناك ثلاثة ملايين ونصف مليون إسرائيلي في فلسطين المحتلة وتعلم أن فيهم كل مظاهر البشر وشكلهم, لكننا ونحن نرى تاريخ نصف قرن على وجودهم بيننا يصعب تخيل أنهم بشرٌ مثلنا يحبون ويعشقون ويتألمون ويعرفون مشاعر الأمومة والصداقة والمثل العليا, ويتذوقون الشعر والموسيقى والقراءة والكتابة.
وأصعب من ذلك أن نتخيل أن هناك أدباً ما عظيماً وجميلاًَ حقاً يكتب بمداد العبرانيين الجدد في فلسطين المحتلة, من لغتهم هؤلاء قطّاع الطرق, لصوص الحضارة, مغتصبو الأرض, الذين بقروا بطون الفلسطينيات وقتلوا الأطفال والرضع, وخلقوا المعاناة لملايين من البشر حتى أوصلوهم إلى أقصى درجات اليأس, أولئك القتلة المجرمون هل ينجبون أدباً وحضارة, أولئك الذين سلخونا من آدميتنا فعدنا نولغ في الكره والحقد وننظر إلى غد نذيقهم فيه ألوان المهانة التي أذاقوها لشعبنا, غد يشبه يوماً ساق فيه "نبوخذ نصر" أجدادهم نحو الأسر... هؤلاء يمكن أن ينجبوا أدباً وحضارة؟
لا يخطر على البال أبداً أن يفعلوا ذلك, مثلما لا يخطر على البال أن الكوكلوكس كلان في أمريكا يمكن أن ينجبوا أدباً ـ أدباً كما تفهمه شعوب الأرض التي لم تفسد بعد أنظمة القيم والذوق لديها عما هو عادل وخير. وهذا قطعاً لا يمكن أن يكون إسرائيلياً أو كوكلوكس كلانياً. نفهم أدبكم على أنه نوع من النشاط الذهني الغريب الذي قد يثير فضول من لا يعرفه أو قد يخاطب نوازع بدائية فيه كما كانت تخاطبها هوليوود بأفلام رعاة البقر في الخمسينات والستينات حتى ظهر أن راعي البقر ما هو إلا قاطع طريق دموي فتح طريق الغرب في أمريكا على جثث أهاليها الأصليين من الهنود الحمر. وكما تخاطبها بأفلام العنف والمصارعة والملاكمة, وهي فنون لا شك في قدرتها الفائقة على التسلية وعلى تمضية الوقت لكنها تترك الإنسان أفقر مما كان عليه قبل مشاهدتها. الأدب الحقيقي والثقافة الحقة لا تملك لتستحق مثل هذا الوصف إلا أن تغني للإنسانية ولكل ما هو خير وعادل. ضد الجريمة وضد القتل وضد افتراع كرامات الناس.
ذلك أدب يبشر بغد لا وجود فيه لإسرائيل, ولا حتى لأمريكا ولأوربا, كما نعرفهما اليوم, اللتين تحرقان وتبيدان آلاف الأطنان كل سنة من الأغذية خوفاً من هبوط الأسعار فيما نصف النوع الإنساني يعاني سوء التغذية وربعه يعاني الجوع الدائم.
على صعيد أدبي محض, أن مما يدعو للغرابة أن يتجه أديب, أي أديب يتمنى تحقيق ذاته الفنية وتجسيدها في عمل يكتب له البقاء طويلاً إلى لغة مساحتها صغيرة, جغرافياً وتاريخياً, ولو كتبت بالصينية أو الإسبانية أو حتى الإنكليزية لكان مفهوماً أن تدير ظهرك ثقافياً نحو لغتك الأم لكن أن تتجه إلى العبرية التي كانت قبل أربعين عاماً لغة معابد ـ لغة من اللغات الميتة, لا تحتوي إلا القليل من الموروث الأدبي, لغة لأجل أن تكون عملية للناس اضطر الإسرائيليون إلى "الاستعارة" من اللغات الأخرى: من العربية استعاروا المفردات النابية, وهي مفردات السباب في الشوارع, وهو تقدير له مغزاه لثقافتنا العربية, ومن لغات الأرض كل شيء آخر.
وخلاف اللغة النابية فإن الإسرائيليين استعاروا, إن لم نستخدم عبارة أقسى وأدق, كل "سمات" الثقافة والتراث الشعبي من الفلسطينيين كما قاموا "باستعارة" أرضهم, وفنون الرقص, والملابس الشعبية والطهي وفنون العمارة... إلخ.
ودعني ألقي سؤالاً أدبياً, لكن لا مناص من أن يدخل في السياسة: هل أنت واثق ومتأكد أن الثقافة الإسرائيلية ـ العبرانية التي انتميت لها هي ثقافة ستبقى ليس لمئتي سنة -لعلك لا يهمك أن تخلد بعد موتك- ولكن لخمسين سنة مقبلة؟ هناك العديد من الناس ممن يشك كثيراً بذلك ـ على الأقل هناك الأكثر ممن لا يتمناه.
فمن جانب تبيّن لإسرائيل ـ إسرائيلك؟ ـ صعوبة بلع المزيد من الأراضي مقارنة بعام 1948 ـ وإلى عام 1967 ـ وما المغامرة الإسرائيلية للبنان في 1982 إلا نموذجاً لا يَخْفَى عليك كما عاد لا يَخْفَى على الملايين من الإسرائيليين. حتى عرب غزة والضفة تبين لحكومتك أن لحمهم مرّ يعسر مضغه رغم حالة الحصار والدمار التي كثيراً ما تلامس وضع الإبادة المنظمة من قبل قوات الجيش الإسرائيلي.
مثل هذه الإسرائيل لم تقم فقط من قواها الذاتية ولا من قوى الغرب ولا استمرت فقط بعنفها أو بأسلحة أمريكا وتحالفها الاستراتيجي معها, كل هذا كان ضرورياً لكن كان هناك عنصر جوهري في قيام إسرائيل واستمرارها لنصف قرن, عنصر موجود عندنا نحن الذين نقف على الجانب الآخر. وضعنا العربي نفسه هو الذي سمح لإسرائيلك أن تؤسس وأن تستمر إلى الآن في غفلة من الشعوب العربية. هذه الشعوب نفسها التي طردت استعماراً استيطانياً آخر مثل إسرائيل, من الجزائر بافتداء مليون شهيد وطردت إسرائيل والولايات المتحدة والقوات المتعددة الجنسية من لبنان بافتداء بضع عشرات فقط من الشهداء الذين افتدوا أرواحهم عبر الشاحنات والسيارات الانتحارية, حتى الحمير كان لها دوراً في العمليات الانتحارية.
هل أنت واثق من أن العرب, المائة وسبعين مليوناً, سيستمرون إلى ما لا نهاية في الانتظار والترقب وفي احتمال ما يجري وفي تأخير الوصول إلى بَلْورة نهائية إلى برنامج شامل تحريري, إنمائي, حضاري تحوز الأمة عبره على درجة القوة المتناسبة مع عدد أفرادها وقدراتهم ومع أرضها وخيراتها الطبيعية وموقعها الاستراتيجي؟ هل تطول فترة ترجمة هذه القوة إلى وضع يفقد فيه مسوغ وجود دويلتك في خارطة الوطن العربي, وضع ينكشف فيه جنون المشروع الصهيوني برغم الجهود الجبارة لمؤسسي الدولة ومدبري استمراريتها ـ فعند أية صفقة, أي كامب ديفد من النوع الآخر العكسي, تباع إسرائيلك وتشترى كما فعل سادات مصر, عندها ماذا تنفع الرؤوس النووية في النقب أو الأسلحة المتقدمة, عندها تظهر إسرائيل على حقيقتها: نباتاً شيطانياً لا تربة له ولا ثمر تعصفه رياح الأمم الكبرى والحضارات ـ في تلك الأوضاع تفقد إسرائيل واقعية استمرارها.
وحتى لو حدث المحظور, أو لِنقُل لو استمر, لو قهرت جزيرة تايوان قارة الصين, لو استمر الثلاثة ملايين إسرائيلي ونصف في قهرنا لألف سنة مقبلة نحن الذين نزيد عليهم خمسين مرة فإننا سنبقى ونحيا برفضنا, سنقاتل حتى وإن تكن نتيجة الحرب خاسرة, لقد علمتنا غزوات شعوب كثيرة زادوا على شعبك قوة وعدداً أن القتال لا يهدف فقط للنصر على العدو وإلى تحرير الأرض, أنه يهدف أيضاً إلى أن نحترم أنفسنا, أن نكسب حب نسائنا, أن يطمئن أطفالنا. إذ نحن نقاتل... نحن نتكوّن.
وهذه هي مقولتنا المضادة لحديثك المشؤوم المهزوم عن أرضنا "الغادرة" وعن زهورنا البرية التي تكتسي لون اليهودية الأحمر.
إن زهور فلسطين البرية حمراء حقاً لكن حمرتها ليست يهودية قط, إنها مرواة بدماء الفلسطينيين منذ أيام صلاح الدين الأيوبي وحتى دماء آخر شهيد فلسطيني سقط أمس, أو دماء جديدة لآخر يموت قبل أن يغرب هذا اليوم.
... لقد أوغلتَ بعيداً.



لم نجهل الأدب المغاربي؟


يدهش قارئ الأديب المغربي الطاهر بن جلّون للقوة الفنية التي تتمتع بها أعماله:
الرواية التي تتماثل مقاطعها مع الشعر ليكوّنان جنساً فنياً جديداً، الجرأة الفنية في السير على طرق جديدة لم يسبق دوسها، اللغة المكشوفة المتحررة المقاربة للغة الازدهار العباسي. على أن حالة الافتتان بعبقرية ابن جلّون لا تدوم طويلاً؛ فعند التعرف إلى الأدب العربي في شمالي إفريقيا، سواء المؤلف بالعربية أو المؤلف بالفرنسية، يتضح أنه على الرغم من قوة الخلق العظيمة لدى ابن جلّون، إلا أنه لم يخلق عالمه الروائي الشعري منفرداً، بل ولّده عبر إضافته إلى تراكم أدبي عظيم موجود صنعه أدباء بيئته، أدباء مثل الشهيد مولود فرعون، محمود المسعدي، رشيد بوجدرة، إدريس الشرايبي، كاتب ياسين، محمد عزيزة وغيرهم، من دون أن ينقص هذا الاكتشاف من فن ابن جلون أو من أصالة أدبه. وهناك تجربة مماثلة لتجربة قراءة ابن جلّون، ألا وهي تجربة قراءة الروائي الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز، الذي يتوهم المرء لدى قراءة "مائة عام من العزلة" و"خريف البطريرك" و"يوميات موت معلن" بأنه قد صنع عالماً روائياً بمفرده، بينما تكشف قراءة أدباء من أميركا اللاتينية أنهم جميعاً أسهموا -كل بخصوصيته- في صياغة عالم ماركيز, وأن ماركيز ما كان ليخلق هذا العالم لو لم يكن هناك أستورياس وأليخو كاربنتييه وبورخيس وجورجي أمادو وكارلوس فوانتس وغيرهم؛ أسلاف ماركيز ومعاصروه الذين لولا إبداعاتهم ونقدهم وتجربتهم ما كان ماركيز ليكون ماركيز. الطاهر بن جلّون, كما يذكّر بماركيز, فإنه يفتح باباً واسعاً لتأمل قوة خفية للثقافة العربية الراهنة على الرغم من الانهيار البادي عليها؛ هذه القوة قد تكمن في طبيعة اللغة العربية وعالمها الداخلي الفني الذي يشكل قوة فنية للمبدعين بها الذين يتوجهون إلى لغات أخرى، بحيث تتلاقح مكوناتهم العربية مع مكوناتهم غير العربية لتوّلد أدباً خاصاً للغاية. اللغة قد تشكل مكوناً أساسياً، ولكن هناك أيضاً، وهذا لا يقل عن اللغة، عنصر الحياة العربية نفسها التي تعطي الكاتب تجربة خاصة، تؤثر في أعماقه وتهزّها إلى الحد الذي يجعله يغوص في حقائق ورؤى لم يسبقه إليها أحد. هل ثمة من مبالغة في تعظيم دور الثقافة العربية؟ ربما، ولكن إذا لم يكن السبب كامناً في الثقافة العربية، فما السر وراء بروز ثلاثة كُتّاب مبدعين عرباً حينما أخذوا يكتبون بلغة أخرى لهم علاقة حميمة بها؟ ما الذي يفسر ظاهرة الطاهر بن جلّون الذي عظّمه الفرنسيون إلى حد جعلهم يساوون لغته بلغة بلزاك ؟ وما الذي يفسّر ظاهرة جبران خليل جبران التي جعلت نقاداً عديدين في اللغة الإنجليزية ينظرون له نظرة تبجيل وتقدير رفيعين لكتاباته بالإنجليزية؟ والحال نفسها تتكرر مع الأديب الفلسطيني أنطوان شماس، الذي يكتب بلغة عبرية جعلت نقاداً يعتبرونها أول لغة عبرية حية غير مفتعلة، لغة حقيقية في مقابل اللغة الاصطناعية التي بعثتها الحركة الصهيونية على الرغم من أنف التاريخ؟ ثلاثة كتّاب عرب يكتبون بلغات أجنبية مختلفة ويبدعون فيها. على أن هذا لا يعني أن الإبداع العربي لا يتكون إلا حيث أعجم الأديب العربي قلمه، فنماذج عربية صرفة استطاعت أن تبدع أدباً نقياً بلغتها الأم لا يقل جودة عن أدب بن جلّون وجبران وشماس، ولا يستحضر المرء في هذا المقام شخصية "نوبلية" مثل نجيب محفوظ فقط، بل أدباء لا يقلون عنه أو عن العرب الذين كتبوا بلغات أجنبية: أدباء مجددون كطه حسين وبدر شاكر السيّاب وعبد الله القصيمي وإميل حبيبي وغيرهم. وأدب المغرب العربي على وجه العموم مهما كانت لغة كتابته في مبدئها، فرنسية أم عربية، يدلل على مظهر من مظاهر أزمة حياتنا الثقافية في المائة عام المنصرمة، فالواضح أن ظهور الصحافة المبكر في مصر ولبنان وسوريا، وضيق أفق الصحافيين، جعلا الأضواء تتركز بصورة كبيرة على أدباء هذه البلدان العربية؛ دول المركز العربي، مع إغماط وتجاهل كبيرين لأدباء الأطراف، ووصلت الحال إلى درجة سيئة، فلا يكاد مثقف أو نصف مثقف يجهل من هو إحسان عبد القدوس أو يوسف السباعي أو أنيس منصور أو غادة السمان، بينما لا تعرف الأغلبية العظمى من المثقفين أديباً عظيماً كالجزائري مولود فرعون، الذي اغتالته القوات الفرنسية اليمينية، والذي خلّف أعمالاً لا يحلم كثير من مشاهير الأدب اليوم أن يكتبوا مثلها لو يكتب لهم عمر أدبي آخر. الوضع الغريب هو جهلنا بكتّاب من الطبقة الأولى، فقط لأنهم من دول الأطراف العربية، في ما نحن نعرف كتّاب الطبقات الدنيا من دول المركز العربية. إن الذي يفسر هذا الوضع، ليس وجود قصد ونية مبيتة في إغفال عظماء الفنانين والمبدعين، وإعلاء شأن ذوي المواهب المتواضعة، الأمر ببساطة يعود إلى مسألتين أساسيتين: - هيمنة قوى السوق، بحيث أن أسلوب عبد القدوس كان يلقى هوى عند القراء والقارئات الشباب في فترات المراهقة، مما أعطاه الشهرة الواسعة. - سيطرة صحافيين يجهلون بشكل فاضح ثقافتهم العامة، ويتصفون بالكسل المنهجي الذي يجعلهم فاقدين للفضول والتشوق لمتابعة التجارب الجديدة والإسهامات المختلفة خارج بيئتهم المباشرة، وهذه الصفة تمثل أحد أعراض غياب الثقافة العربية الواحدة. وفضلاً عن هذين السببين المتمثلين في قوى النشر التجارية وضعف الصحافيين العرب، هناك أيضاً السمات التي يتصف بها أدب كأدب شمالي أفريقيا، سمات لا تسهل تذوق القارئ العربي له، وليس الناقد العربي المنتمي لدولة عربية مركزية ثقافياً، هذه السمات التي تجعل هذا الأدب عسر الهضم لأمعاء الصحافيين الحساسة، فإنها في الوقت نفسه تدفع به للتحليق إلى آفاق جديدة لم يطرقها أدب المشرق العربي. إن الأدب المغاربي يرتبط بوشائج قوية للغاية مع الأدب الفرنسي، وعدد كبير من كتب أدباء المغرب نشر أول ما نشر في فرنسا، واستفاد فائدة جمة من غياب الرقيب الصارم فتمتعت هذه الأعمال، خصوصاً تلك المكتوبة أصلاً بالفرنسية، بالمضامين الحرة، فهي حرة اللغة مثلها في ذلك مثل أدب فرنسا المنعتق من مقص الرقيب وإرهاب شرطي النشر العربي. وارتباط أدباء المغرب العربي بالثقافة الفرنسية، أثمر تفاعلاً للثقافتين العربية والفرنسية. نجد على سبيل المثال أن شعرية السرد تولدت من الارتباط بالرواية الشعرية التي جاءت من أصول فرنسية محضة؛ مارسيل بروست، أندريه جيد, انطوان سانت إكزوبري, أندريه مالرو... ولكن الكتّاب العرب من شمالي أفريقيا عمقوها عن طريق مزجها وإثرائها بالرؤية الشعرية ذات التراث العريق في الثقافة العربية. والمحصلة أن الأدب المغاربي يمثل شيئاً فريداً مختلفاً عن الأدب الفرنسي في أساليبه ومضامينه، وهو وإن استفاد من أجواء حرية النشر الفرنسية بشكل كامل، إلا إن جمالياته لصيقة بجماليات امرئ القيس والجاحظ بشكل لعله أشد قوة من الجماليات الفرانكوفونية، المترجمة بدورها بشكل أو بآخر للجماليات الأوروبية التي أخذت في التبلور ابتداءً بعصر النهضة. أما المضامين، فقد جاءت نابعة من ضمير مواطنين عرب يحملون فوق هاماتهم تركة ثقيلة من عنف التخلف والاستعمار والاستبداد الشرقي في البيت والشارع. إضافة لذلك، يلاحظ القارئ أن الأدب المغاربي، سواء المكتوب بالعربية مباشرة أو المترجم، التصق باللغة العربية القديمة التصاقاً يكاد يكون جامداً، (محمود المسعدي-السد)، فجاءت الأساليب والتعبيرات في الكثير من الأحيان وكأنها مقتطعة من كتاب العصر العباسي، وجاءت متضمنة حشداً كثيفاً من الرموز والإيحاءات العربية القديمة (محمد عزيزة - البحار والإسطرلاب). إن خصوبة هذه التجربة على مختلف الأصعدة: هذا المزج الفني بين الرواية والشعر، إضافة إلى اللغة العربية الخاصة للكتاب المغاربيين عملا على زيادة الصعوبة أمام النقاد العرب عند تقدير أهمية وعظم التجربة الأدبية هناك. لكن لم يعد هذا الوضع مقبولاً اليوم مع تنامي حركة التوزيع للكتب، وكل من سيبذل جهداً في التفتيش عن أعمال الكتّاب المغاربيين سيكافأ بتجربة قراءة ممتعة وثرية معاً ومجددة للأمل بأن ثقافتنا العربية لا تزال بألف خير.




نوبل والعرب… حصرم وجواهر


خاب أمل كثير من الأدباء العرب مع إعلان منح جائزة نوبل للآداب إلى المسرحي البريطاني هارولد بينتر. فلسنوات عدة كان يظهر في هذا الوقت من العام توقع أن تمنح الجائزة لأديب عربي، حتى لو كان يكتب بغير العربية.
وتنشأ المجادلات حول من يستحقها أكثر: هل الشعراء أم الروائيون؟ وهل هو محمود درويش أم أدونيس؟... لكن ما أن تعلن النتيجة حتى يصاب الجميع بالإحباط إذ يكتشفون أن نجيب محفوظ لا يزال وحيداً من بين الأدباء العرب منذ أن نال الجائزة قبل 71 عاماً. السنوات تمضي وليس هناك شيء سوى الحسرات لأدبائنا العرب. ليس لهم إلا أن يعودوا مهزومين إلى جوائزهم المحلية في أوطانهم، وعلى أحسن الأحوال ليس لهم إلا جائزة العويس العربية. لكن هل علينا أن ننتظر نوبل لنقدر لأدبنا؟ ربما علينا أن نقلد الثعلب باتهام العنب على أنه حصرم، أو الأفضل من ذلك بموقف المتنبي، بأن في الخمر معنىً ليس في العنب. لسنا نجادل في قيمة نوبل. فالحصول عليه تقدير كبير يمكن كل كاتب يناله ليترجم إلى عشرات اللغات، ليصل إلى ملايين البشر. لكن علينا ألا نقع في الوهم المدمر الذي يبخس أدبنا فقط لأننا لم نحز إلا جائزة واحدة. أدباؤنا يفشلون في نيل رزقهم من الكتابة لأن قوى السوق لا زالت معطلة في عالم النشر. لكن ربما لهذا السبب بالذات، أي عدم ارتهان كتّابنا لقوى السوق والخضوع لمنطق تلبية رغبات الجمهور العريض فإننا نمتلك أدباً رفيعاً. وهي حال يحسدنا عليها أدباء غربيون ذوو مواهب عظيمة، أجهضت في المهد لأن السوق أرغمهم على أن يبيعوا أرواحهم لمنفستو شيطان المال. ولنا أن نتساءل أيضاً عن إمكانية النقد الغربي لتذوق شعرنا المتفرد ببحوره وكناياته. على سبيل المثال كيف لنا أن نشرح للنقاد الذين تعتمدهم نوبل الأهمية الفنية في كناية (بعيدة مهوى القرط) بدلاً من القول بأن السيدة تمتلك عنقاً طويلاً. ولو غامرنا وفعلنا ذلك كيف نمنع الناقد من أن لا يتخيل صورة هجائية للسيدة تقرن بين طول عنقها والزرافة مثلاً؟. يجب أن نجدد احترام النفس باستمرار، وعلينا ألا ننتقص من أدبنا إن كان أهل نوبل عاجزين عن تذوقه، فهذه مشكلتهم. لو كنا نتجاهل آداب الأمم الأخرى لكانت مشكلتنا نحن. لكن عدداً ليس بقليل منا تذوق تلك الآداب مترجمة وأيضاً باللغة الأم. حتى أدباؤنا المعاصرون تمكنوا من الانتماء لآداب لغات أخرى وكتبوا فيها ونال بعضهم أعلى جوائزها: جبران خليل جبران بالإنكليزية، أنطون شماس بالعبرية، الطاهر بن جلون بالفرنسية. ما المشكلة إذن؟ لمَ يعاني أدباؤنا عقدة –الخواجة- أن عليهم أن ينالوا تقدير الناقدين الأوروبيين أو الأميركيين ليصبحوا أدباء حقيقيين؟. المشكلة الكبرى التي يعاني منها أدباؤنا العرب هي ليست في غياب التقدير الغربي لهم، بل عكس ذلك: أن مغني الحي لا يطرب أهله، أن مكانتهم في مجتمعاتهم وفي دولهم هي أقل بكثير من مكانة غيرهم، من الضباط أو الرياضيين أو رجال الأعمال. الأديب العربي كائن مغترب في مجتمعه، مأزوم في كل شيء ابتداء من جهده لضمان لقمة عيشه لنفسه ولأطفاله، وانتهاء بجهوده لحماية نفسه من الشرطي في الشارع والإمام في المسجد والرقيب في وزارة الإعلام، ناهيك عن تلك الأسئلة الأزلية التي يكابدها كل أديب: كيف اجترح المعاني؟ أي الأدوات هي الأنسب لهذا العمل؟ كيف أبدأ؟ كيف أنتهي؟. وفي كل يوم ينظر أديبنا إلى المشهد المرعب نفسه: صفحة بيضاء عليه أي يحبر شيئاً ما عليها. ولهذا لا نتفاجأ حين نسمع عن أدباء ينتحرون (الأردني تيسير سبول، اللبناني خليل حاوي...) أو يرسلون لمصحات عقلية (المصري نجيب سرور...). وبالنسبة للبقية فعليها أن تمتثل لشريعة قديمة جداً توجب على الأديب العربي أن يجوع، وهذا ما اختزله أبو تمام قبل أكثر من ألف عام حين قرن بين الفقر و(حرفة الأدب). وليس دون الفقر للأديب العربي إلا أن يكون شحاذاً يمدح الأغنياء والأمراء لينال العطايا، وهامش المناورة الضيق له هو الاختيار ما بين سيف الدولة وسيف كافور الإخشيدي. ومن يحاول التحرر من هذا القانون الحديدي ليس له إلا موت ملحمي في الفلاء على يد قطاع الطرق. فلنرفع رؤوسنا قليلاً عوض الطأطأة والشعور المزمن بالنقص. فأدبنا يعاني من مشكلات كثيرة، لكن ليس من بينها الجدب الفني. أدبنا لا يزال خصباً تجريبياً شديد التنوع بسبب فرديته محملاً بخبرات معيشية وتاريخية كثيفة يندر أن نراها في مجتمعات أخرى. كل مآسينا العربية هي مآس لمواطنينا؛ بيد أنها، وهذه مفارقة الأدب، ميزات/ خبرات لأدبائنا. لأكثر من ألف عام وإلى الآن، ألهمت الليالي العربية، ألف ليلة وليلة، المخيلة الإنسانية. لكن كنوزنا الكبرى لا تزال حبيسة المخطوطات تنتظر الكشف. وحيثما التفتنا اليوم في الأرض العربية سنجد موريتانياً يعيد إحياء تعابير امرئ القيس، وسعودية تكشف هواجس فتيات جيلها، ومصرياً يخترع مسرحاً لو اطلع عليه هارولد بينتر لحسده عليه. سنكتشف روائية لبنانية ترى أشياء لم يرها أحد في شتاءات الحرب الأهلية. سنكتشف روائع خالصة، والعديد من صاغة هذه الأعمال رحل عن الحياة، لكنه ترك بين أيدينا ميراثاً سيعيش لزمن طويل جداً، وهو ميراث لا يحتاج لشهادة من نوبل ليضيء الظلمة في حياتنا.


مثقفون وأبقارٌ مقدسة


يُتّهم المثقفون العرب بأنهم لعبوا دوراً كبيراً في انهيار الحكم المدني في العالم العربي, وفي إيجاد الأعذار لحكم العسكر, وعموماً في تبرير النظام التسلطي والدولة البوليسية. لكن هل مثل هذه الممارسة من جانب المثقفين جديرة بإثارة الدهشة أو حتى الاستهجان

أوليس المثقف أساساً هو نتاج تشكيلة اجتماعية منتفعة، محظوظة؟ ألا يمكن القول أن كل نظام (يجهّل من يشاء ويثقّف من يشاء)؟ والنتيجة لذلك إنتاج مثقفين يتمتعون بامتيازات ما، ويتحدد وجودهم المبدئي واستمرارهم اللاحق بامتناع النظام عن وأدهم وبضمهم لمؤسساته وربطهم بشخوصه؟ ألا يتحدد أيضاً بكونهم أبناء مدن متميزة على محيطها الريفي أو الصحراوي دون أن يعني ذلك أنهم غير مستلبين في وجودهم, يقاسون وعياً شقياً لأنهم يدركون بحساسية مكثفة الهدر والضياع المتولد من الأنظمة الحاكمة.
لا ريب أيضاً أننا نواجه في الكتابات النقدية تجاه دور المثقفين عملية جلد معنوية قاسية تثير بحد ذاتها جملة من التساؤلات عن هوية ومسؤولية المجلود: مثقفنا العربي. وعملية النقد هذه هي امتداد لتقاليد راسخة في الثقافة العربية المعاصرة إزاء المثقف. هذا الجلد- النقد ينطلق من رؤى مفادها أن المثقف مسؤول عما يحدث أمامه, إما عبر دوره النشط كشريك صغير في أفعال النظم السياسية الاجتماعية القائمة -إن كان من مثقفيها- أو عبر دوره غير النشط كمحارب فارّ من ساحة الصراع: فرار عن مناصرة شعبه أو فئاته العريضة التي تواجه أدوات العنف المادي أو الإكراه والقهر المعنويين. وفي الحالتين ثمة مسؤولية أخلاقية في ضمير المثقَّف. تزخر ذاكرتنا الثقافية بالحكايات البطولية, بصورة سقراط وهو يتجرّع السم ويختار مواجهة موته بدل الفرار, ومحنة ابن حنبل في سجنه, وبرونو وهو يحرق, وغاليليو وهو يُعذّب ليتراجع عن نظرياته الفلكية... لكن ذاكرتنا تأبى إلا أن تكون رومانسية، هي لا تريد أن تتذكر ما لا يريحها؛ صورة أرسطو وهو يفرّ من أثينا خيفة أن يلقى مصير سقراط, أو صورة غاليليو نفسه وهو يتراجع عن نظرياته ويعلن ندمه وتوبته للكنيسة. من الواضح أن تراثنا الثقافي المعاصر يلقي بمهمة تاريخية ثقيلة على كاهل المثقفين هي خارج قدرتهم وطاقتهم, أو هم لا ينبغي أن يطالبوا بحمل إلا جزء صغير منها. إن ذاكرتنا البطولية إذ هي تخلط رغائبها بحدود الواقع تتجاهل أننا لسنا إزاء مقاتلين ماديين، بل أشخاص لا تكمن قوتهم في عضلاتهم ولا بقدرة احتمالهم لصنوف التعذيب في الدول "المستحدثة"، إن أساس قوتهم فكري، وذو نطاق اختصاصي ضيق حتى في عالم الفكر. وينتج عن ذلك أن الدور الطبيعي للمثقف هو ليس مقاتلة نظامه السياسي, بل أن يعمل على طريقته, بحسب موهبته, موظِّفاً مهاراته في تخصصه كمنتج للمادة الثقافية وفي أن يوصل هذا المنتج لمن هو يحتاجه. إن محاولاتنا بذل جهود خارج مياديننا الاختصاصية هي جهد تطوعي ثانوي أساساً، يجب أن نسعى للقيام به, لكن ليس قبل ولا على حساب قيامنا بدورنا الرئيس كعمّال فكر. إذ أننا بقيامنا بدورنا الرئيس هذا ندفع عملية توليد الإنتاج المعرفي إلى نهاياتها المنطقية بما في ذلك أخطر غرض, ألا وهو دفع النقد لأقصى حدوده، وعبر هذا الدفع توسيع مساحة المعرفة إلى أراض جديدة مجهولة، والنتيجة انحسار الأفكار اللامعقولة، الرغائبية، الوهمية: أي قهر تلك البنى الذهنية المضادة للمعرفة العقلية والتي يشكل وجودها أكبر أساس تستند عليه سلطة مطلقة تولّد معناها بانتهاك الحرمات وإزهاق الأرواح وبالتسبب في شقاء مئات الألوف, بل الملايين من أفراد مجتمعاتنا العربية. الدور الطبيعي للمثقف هو أن يتمرد ذهنياً عن الأطر الفكرية السائدة، ألا يرى أمامه أبقاراً مقدسة، أن يكون متسائلاً، شكوكاً، رافضاً، متناقضاً مع نفسه ومجتمعه، انتماؤه غير قبلي، ليس إثنياً أو مذهبياً... وفي المرجع الأخير هو يجد صحبته بين آخرين من غير جيله أو جنسه أو زمنه أو هويته الوطنية، أدواته ديكارتية محضة: شك في كل ما سبقه ونقد مدمر لما هو مشيّد أمامه. أما مقارعة الأنظمة مادياً فذلك ليس من شأنه، ذلك شأن طبقات اجتماعية واسعة وليس أفراداً، وذلك في المرجع الأخير شأن تطور مادّي لا يمكن للفكر أن يحل مكانه, لا يمكن له إلا أن يرفده كشريك صغير بأسلحته النقدية النظرية.



حين يكون المثقف مدمِّراً


هناك أدوار مختلفة يقوم بها المثقفون. لكن أهم أدوارهم تتركز في حقيقة أنهم الذين يولّدون المعاني والأفكار والقيم التي تأخذ طريقها إلى عقول وضمائر كل البشر. المثقفون يمثلون أيضاً الجيش الأمامي الذي تقع عليه تبعة الدفاع عن كل إنسان ضد ما يمكن أن يمسه من أذى أو مما يمكن أن يجرح كرامته. فلنستدرك قليلاً: إن كلمة دفاع هي شيء غير دقيق، فالمثقف الممارس لدوره يمكن أن يهاجم لا أن يدافع وحسب، ليس لأن الهجوم- وكما يعلن القول السائر- هو أفضل وسيلة للدفاع؛ بل لأن الهجوم نفسه قد يكون أمراً مشروعاً لتدمير كل الأبنية المحقرة للبشر أو المسببة لمآسيهم, عندها يكون التدمير ضرورة قصوى فالقول الشائع "إن أي نقد يجب أن يكون بناء وليس هداماً" هو قول على أحسن الأحوال مبتذل، وعلى أسوئها هو قمع من ممارسة حق التعبير المشروع، فهدم الخرائب هو جهد يقع في مقدمة جهود بناء معمار جديد. دور المثقف بلغة أخرى هو دور الهدم الدائم لكل الخرائب التي تعشش في عقول معاصريه·
إذا تأملنا في حقيقة الدور الدفاعي- الهجومي للمثقف نكتشف أنه الدور الأكثر وضوحاً من أدوار المثقف. وتنصب تحليلات المفكر الإيطالي أنطونيو غرامسشي بالدرجة الأولى في تشريح هذا الدور. لكن رؤية غرامسشي هي رؤية، ورغم أصالتها وعمقها إلا أنها لم تخترق الأدوار الأخرى التي ظلت غامضة في تحليلاته·
إذا نحن استعدنا طروحات أفلاطون في "الجمهورية" ومفهومه للفلاسفة الحكام، وإذا نحن تقدمنا في الزمن بعد تحليلات غرامسشي المؤلفة في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين إلى تحليلات المفكر الفرنسي الراحل ميشيل فوكو في سبعينات وثمانينات القرن نفسه، هذه التحليلات الشارحة لعلاقات القوة واقترانها العضوي بالمعرفة، فإن القاسم النظري المشترك بين الثلاثة يظل هو الدور الفاعل للمثقف في المعترك السياسي، وإن كان من زوايا مختلفة:
* فمنظور أفلاطون يضع المثقف كممتلك للحقلين الأساسيين: الحقل الثقافي والحقل السياسي وهذا الامتلاك يمكنه من السيطرة والتوجيه والضبط للحقل الأمني "إدارة المحاربين وتوجيه عملية العنف لصالح كل فئات المجتمع "والحقل الإنتاجي "إدارة المنتجين والعاملين وتوجيه النشاط المادي أيضاً لتحقيق الخير العام"·
* أما غرامسشي، وبتوظيف مصطلحات عسكرية: الحرب، الحرب الخاطفة، حرب المناورة··· فإنه يضع مثقفيه في منزلة أقل من الحكام، لكن دورهم التاريخي هو سابق للحكام ودون ممارسته لا يمكن لحكام جدد أن يتسلموا مقاليد السلطة: جوهر منظور غرامسشي أن المثقفين يحسمون الصراع، الحرب أولاً في عالم الأفكار لصالح رؤية مختلفة للعالم ومفهوم جديد للحقيقة، وبقدر ما تملأ هذه الرؤية الفضاء الفكري، وبقدر ما يفرض المفهوم الجديد للحقيقة نفسه على ما سبقه بقدر ما يحسم الأمر لمصلحة القوى الصاعدة تاريخياً في المجتمع وضد الأبنية والقوى التي استنفذت مهامها التاريخية. الحسم الثقافي في تحليل غرامسشي يؤذن بالحسم السياسي ويجعله يكاد يكون تلقائياً و"تحصيل حاصل"·
* تحليلات فوكو تستعيد تحليلات أفلاطون مجدداً وإن بلغة أخرى وبتعديلات جوهرية. الاندماج بين الحقل الثقافي والحقل السياسي قاسم مشترك بين الاثنين, وهو ما دفع فوكو ليولّد مصطلح القوة- المعرفة ليشير إلى الظاهرة نفسها، الظاهرة التي بمقتضاها نرى في السلطة "القوة" السياسية تجلياً وظهوراً للنسق المعرفي السائد والعكس بالعكس.
الاختلاف بين أفلاطون وفوكو أن الأول كان يشخص الظاهرتين في أناس من لحم ودم أسماهم "الملوك الفلاسفة"، أما فوكو فقد قدم تحليلاً يجرّد السياسة والثقافة من الأشخاص وينظر لهما كظواهر مستقلة لها آليتها ولها هيمنة وقوة على الأشخاص أنفسهم حتى وإن كانت كظواهر من إنتاج البشر، شيء أشبه ما يكون بصناعتنا لوحوش آلية ذكية تتمكن في النهاية من السيطرة علينا نحن الذين منحناها الوجود أصلاً·
مع هذا نكتشف أن المفكرين الثلاثة في تعمقهم لدراسة الثقافي بالسياسي تجاهلوا أدواراً للمثقف لا يمكن حصرها في حقل السياسة الضيق:
* فالمثقف لا كمقاتل "غرامسشي" ولا كحاكم "أفلاطون" هو منتج مادي ومعرفي: فإنتاج العلم على سبيل المثال وتحويلاته الصناعية والتجارية هو شيء بطبيعته متجاوز لعلاقة القوة- المعرفة لأنه يهدد علاقات القوة السائدة ولا يطمح بالضرورة للحلول محلها·
*المثقف كصانع للمعنى لا السياسي بل الوجودي والأخلاقي والجمالي والمتجاوز في كثير من الأحيان للظاهرة الاجتماعية إلى الظاهرة الفردية- الموت، الحياة، الولادة، الفقد، الألم, اليأس، الحب··· هذه الموضوعات لا يمكن اختزالها بسهولة في عالم السياسة حتى وإن أثرت وتأثرت بها·


رواد الرواية الإماراتية يعيدون اختراع العجلة


يشار للعرب على أنهم أول من قدّم الرواية في العالم عبر ألف ليلة وليلة، لكن الرواية العربية في حقيقتها لم تنطلق إلا في القرن العشرين، ولم تلق نضجها إلا في الربع الأخير من القرن على يد نجيب محفوظ وبعض روائيي شمال أفريقيا العرب الذين جاءت أهم إسهاماتهم بغير اللغة العربية. أما نحن في الخليج فقد انضممنا لزملائنا العرب فقط قبل 30 سنة. وكان للثقافة الشفاهيه في الإمارات، التي ظلت سائدة حتى الستينات، الدور الأكبر في كبح جماح الفنون الكتابية الطويلة التي يصعب حفظها عن ظهر قلب كالرواية، وفي جعل فن كالشعر يأخذ نصيب الأسد من الاهتمام.
وحين بدأنا الكتابة، كأدباء، شبان في منتصف السبعينات لم يكن لدينا تراث روائي محلي نراكم فوقه. الذي امتلكناه لم يكن شيئاً سوى بعض الحكايات الشعبية القصيرة بما في ذلك الخرافة والتي غلب عليها طابع الحكاية الطفولية. أما بالنسبة للكبار فكانت الحكايات أساساً ميراثاً تاريخياً لوقائع الحروب والغزوات التي تمتلك صلة قربى بالتاريخ أكثر منها بأعمال الرواية الخيالية.
لذلك فوضْعنا ككتاب رواية محلية فرض علينا أن نكون روّاداً في الفن في جانب رصد بيئتنا الخاصة، حتى وإن غرفنا من ثقافتنا العربية والعالمية في أساليب السرد الكتابي وتقنيات الرواية. وكرواد أُرغمنا على شق طريقنا بأنفسنا من الصفر وعلى إعادة اختراع العجلة باستمرار.
ولعل من المهم في هذا السياق التسليط على تأثيرات أو دروس في تحديد شكل التفاعل معها يكمن حل جزئي لمشكلات الكتابة الروائية للجيل المقبل من الروائيين.
* هناك عائق كبير أجنبي المصدر يواجه الروائي العربي عموماً، أقصد تقليد تقديم الرواية كأداة لقتل الوقت، وهو الذي رأيناه ولا نزال يولد آلاف الأعمال الروائية في الغرب وظيفتها أن تحارب السأم بحشد الأحداث البوليسية أو التاريخية أو العاطفية فقط لينسى القارئ نفسه لساعات أو لأيام. وقد تسرب هذا النهج إلى أعمال الكثير من أدبائنا العرب خصوصاً الذين يتوجهون للشباب.
ويشكل هذا الأسلوب مقتلاً لأي روائي شاب لأنه يحرفه عن الرواية كفن إنساني ذي وظيفة اجتماعية يقوم الفنان من خلالها لا بتحقيق ذاته ككاتب وحسب، ولكن أيضاً برصد خصوصيات الوضع الإنساني الذي نتكون فيه، بحيث نكتسب منظوراً ما كنا نملكه قبل قراءتنا للعمل، أو تمنحنا خبرة كانت غائبة عنا. دون أن يعني ذلك الطلاق مع التراث الشهرزادي الذي يدفعنا للتساؤل عما سيحدث في المشهد التالي.
* العائق الآخر الذي يتعين تخطيه هو أن الرواية لا يجب أن تكون مقالة صحافية أو وثيقة أنثروبولوجية أو تحليلاً نفسياً حتى وإن تضمنت كل ذلك. وأن الرواية وإن التزمت اجتماعياً وإنسانياً إلا أنها في النهاية مجرد ترجمة شعورية لموقف شخصي إزاء ما يحدث في العالم المحيط بنا. وكموقف فهو بالضرورة محمل ومشحون بانحياز، بتحيّز، بتواطؤ مع شيء وضد شيء آخر، مع أناس وضد أناس. العمل الروائي حتى حينما يصمت يضج بموقف أخلاقي أو لا أخلاقي إزاء التباس إنساني ما.
هذه الدروس الصعبة ضرورية، حتى وإن لم تكن كافية لمواجهة الشرط الفني القائم لنا كأدباء. حقيقة أننا في مجتمع شديد الخصوصية تعرَّض لعملية تحديث بالغة السرعة كان من نتاجها تهديم واسع النطاق لأبنيتنا الثقافية الموروثة، وإحلال عجول لأنماط ثقافية غريبة لم نُعط الوقت الكافي لهضمها، ولا لأن يرفضها ذوقنا وحساسيتنا. المشكلة هي أننا لسنا ما كان عليه آباؤنا وأمهاتنا، ولسنا كما يسلك من استوردنا قيمهم الجمالية والأخلاقية.
نحن أفراد نعيش في حالة صدمة دائمة مذهولين مدهوشين، نحب كثيراً ما كنا عليه ونكره الكثير مما كان سائداً في حياتنا. والوضع الملتبس نفسه موجود إزاء ما استوردناه.. نكره الكثير منه ونحب الكثير منه. والنتائج للمواجهة غير المحسومة بين الحداثة المكتسحة ظاهرياً لأبنيتنا الثقافية الموروثة أننا نعيش في حقل أنينه يصم الآذان، وبين رجال ونساء يستبدلون تحقيق ذواتهم بامتلاك الأشياء خارجهم.



الجسد وراء الإبداع


هل الاحترام المتزايد للفنون غير الملتزمة يعني نهاية الالتزام؟
ما الذي يسعى عصفور الكناري إليه من وراء إطلاق شدوه الجميل؟ وهل تختلف أشعار العشق المشبوب في وظيفتها عن مهمة ذكر الكناري وهو ينادي أنثاه؟ يرى بعض المفكرين, فرويد على سبيل المثال, أن الحافز الأكبر وراء الإبداع الأدبي والفني هو الجنس: هذا الدافع البيولوجي الضيق الذي تقوم الكائنات الحية -عدا البشر- بممارسته بعادية وتلقائية ومن دون أن تضفي عليه هذا الحشد الهائل من الطقوس المحرّمة والمحللة, المحبذة والمعيبة, التي نلقاها في مختلف الحضارات الإنسانية. بلغة أخرى، ينظر هؤلاء المفكرون إلى أن هناك ثمة جذوراً وحوافز بيولوجية، غريزية وراء قيام الأديب والفنان بالإبداع.
بالطبع لا تمثل هذه الرؤية إجماعاً لدى الدارسين للظاهرة الإبداعية ولكنها بالتأكيد تعبر عن جمهرة ليست بالقليلة من المهتمين بفهم عملية الخلق الفني. فرويد نفسه، في أكثر من عمل، أشار إلى التباين بين حافز الإبداع (الجنس) وثمار الإبداع (الفن والأدب) من حيث أن الأول ما هو إلا بيولوجيا وسيكولوجيا ذات إطار غريزي آلي، فيما الثاني يتميز بقصدية وبتجاوز لأسر القوانين الميكانيكية التي تعمل في المستوى البيولوجي.
في العقدين الأخيرين تعاظمت قوة الموقف القائل بأنه، وبرغم التحولات التاريخية العظيمة في المجتمعات الإنسانية التي حلقت بها بعيداً عن باقي الكائنات الحية، إلا أن هناك عناصر من التجربة الإنسانية تتصف بالثبات والجمود أمام التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وأنها إن تغيرت، فهي تتغير بشكل ميكروسكوبي غير ملحوظ ضمن التطور البيولوجي.
ويعتبر المفكر سبستيانو تيمبانارو أبرز المتبنين لهذا الموقف. وقد أشار تيمبانارو إلى أن الإنسان ككائن بيولوجي ظل على ما هو عليه منذ بدء الحضارة وحتى الآن، وأن المشاعر والتصرفات اللصيقة بالحقائق البيولوجية من الوجود الإنساني لم يطلها التغير. وحسب رأيه، فإن جل الفنون والآداب تمتص قوتها من هذه المشاعر والتصرفات، فهي تتعامل مع الولادة والطفولة والحب والتكاثر الجنسي وكبر السن والموت والشعور بالضآلة تجاه لا نهائية الكون.
ومع أن هذه الأمور محكومة اجتماعياً بطقوس كل حضارة إلا أن الفنان يظل رغم ذلك قادراً على التعبير بقوة عن مقومات أساسية للتجربة إلى الحد الذي نفهم فيه لماذا تملك بعض الإبداعات الفنية المقدرة على العيش خارج زمانها وأن تكون متذوقة ومقدرة في مجتمعات بعيدة عنها جغرافياً وزمنياً. فإلى الآن نحن نتذوق كتابات اليونان القدماء وفنون شعوب مختلفة عنّا تمام الاختلاف لغة وتاريخاً وديناً وعادات وتقاليد.
لكن الأمر قد لا يكون متركزاً فقط في مشاعر وتصرفات دائمة تطبع الحياة الإنسانية, فالمفكر رايموند ويليامز يذكر على سبيل المثال أن الأهمية العميقة لوضع بيولوجي غير متغير نسبياً تعود في جزء منها على الأقل، إلى العمليات المادية التي تصنع الفن؛ في أهمية الإيقاع في الموسيقا والرقص واللغة، أو في الأشكال والألوان عند فن النحت والرسم. ومثل هذه العمليات ، في رأي ويليامز، لا تختزل إلى ظروف تاريخية أو اجتماعية, فالعمليات المادية التي تصنع الفن تتطلب عمليات بيولوجية قد تكون أقوى مكونات العمل الفني.
أن يأتي هذا الحديث من عالم جمال ماركسي ينتمي إلى تراث يشدد على المعطى الاجتماعي- التاريخي فذلك يشبه الزلزال الفكري، وهو يحمل مدلولات كبيرة إلى جيل من المثقفين الذين اعتادوا أن يصنفوا العمل الفني أساساً انطلاقاً من التزامه السياسي وأن يخرجوا كل مالم يلتزم خارج الفن والأدب.
لكن هل يعني الاحترام المتزايد للفنون غير الملتزمة أن الالتزام نفسه بات كالاتحاد السوفييتي شيئاً نافلاً، وأن كلاً من الفن والأدب هو شيء ما بعد حداثي مفتوح على كل شيء ومنغلق عن كل شيء؟ هل احترامنا لحق الكناري واعتبارنا غناءه فناً، يملي علينا ألا نعطي الشرعية لعمل إلا إذا ترجم نوازعنا البيولوجية ؟



لا مكان لمثقفينا تحت الشمس


يؤثر عن أحد القادة النازيين قوله: ـ كلما سمعت كلمة "ثقافة" تحسست مسدسي! ولعل هذا القول هو الشعار الذي سارت عليه وزارة الثقافة والإعلام طيلة العقود الثلاثة الماضية. وهو ما يفسر هوسها غير العادي بمنع الكتب وإغلاق المطبوعات وإيصاد الأبواب في وجوه المثقفين. والفارق المهم بينها وبين ألمانيا الهتلرية أنها كانت تستخدم المقص عوضاً عن المسدسات. ومع ما شهدته السنوات الثلاث الأخيرة من تقليص كبير للأنشطة الرقابية إلا أن الذي لم يتقلص هو تجاهل المثقفين المحليين وتهميش دورهم. ونتيجة هذا التجاهل نجدها ماثلة أمامنا: لسنا نملك إنتاجاً سينمائياً (قصصياً كان أم وثائقياً), وإبداعنا الروائي والمسرحي والموسيقي شحيح, وإنتاجنا الفكري ضيق في الحدود الأكاديمية البالغة التخصص. لو قلبت نظرك في البلاد من أقصاها إلى أقصاها لن تجد فيلسوفاً أو ناقداً أدبياً أو مخرجاً سينمائياً... وبرغم كثرة وسائل الإعلام وتنوعها إلا أننا لدى التدقيق فيها لن نجدها محتوية إلا على النزر اليسير من المواد المحلية. وهذه الوسائل لا تعدو في حقيقة الأمر أن تكون إلا مراكز تسويق للمنتجات الآتية من الخارج. وفي حد ذاتها فإن هذه المنتجات ليست شيئاً سيّئاً بالضرورة فقط لأنها أتت من الخارج. ومهم لنا منذ البداية أن نخرج من أسار ردود الفعل غير المعقولة إزاء الثقافات الأخرى التي كثيراً ما عاملناها كخصم لدود يهدد ثقافتنا المحلية. وهذا ما نراه مشابهاً على سبيل المثال لردود أفعال المثقفين الفرنسيين تجاه التأثير المتعاظم للثقافة الأنجلوساكسونية في فرنسا والذي من مظاهره تزايد شعبية الأفلام الأمريكية, وكذلك هجر الفرنسيين لمطاعمهم الفرنسية وولعهم بارتياد مطاعم الوجبات السريعة الأمريكية. مهما تكن الأسباب فالعداء للثقافات الأجنبية هو في أحسن الأحوال ضيق أفق, وفي أسوأها عنصرية مقيتة. ليس مبتغانا أبداً, وأصبح اليوم مستحيلاً, اضطهاد الثقافات الأجنبية. المطلوب هو أن تمنح الثقافة المحلية الفرصة لتنمو بنفسها ولتصارع بشكل حضاري كل ما يأتيها من الخارج بالقبول, بالرفض, وبالهضم لبعض مكوناته... ليس إنماء الثقافة المحلية ضرورياً فقط لأنه من العدل أن ينال المبدعون المحليون فرصتهم, برغم أهمية ذلك. وليس هذا ضرورياً ليعطي مظهراً فولكلورياً للبيئة أمام السياح والضيوف الأجانب يمكنهم من تذوق أطعمتنا الشعبية ومشاهدة أرديتنا المحلية والإصغاء لموسيقانا التراثية. هذا كله ليس مهماً, لأنه لا ينبغي أن ننتج فناً هدفه تحقيق رضى الآخرين علينا. إنتاجنا الثقافي الذاتي مهم لنا نحن وليس لغيرنا. هذا الإنتاج ضروري أساساً لاستعادة التوازن الذي فقده مجتمعنا بسبب التحولات الهائلة التي طالت كل مجالات الحياة فيه. فمن الجلي أن جيلنا يعيش أزمة هوية وأزمة معنى. أفراد كثيرون من هذا الجيل يموتون دون جدوى ودون مبرر. العدد الأكبر يعيش أزمات لا حصر لها في عمله وفي بيته ومع نفسه... هناك حالة انهيار واضحة وتمزق لمجتمعنا. مؤسساتنا التي يفترض فيها أن تحقق حالة التوازن فاشلة بشكل ذريع: الأسرة, المدرسة, موقع العمل, أماكن الترفيه... من هنا يتعاظم دور بناة الوعي: كل هؤلاء الأفراد الذين وهم يجمّلون حياتنا يمنحونها لوناً وطعماً ورائحة... ومعنى. ولا يتم ذلك بتزويرها وبإيهامنا لتقبل الأوضاع على علاّتها, لكن بتمكيننا من فهمها بعمق, ومنحنا الثقة لنضع الحلول ولتجاوزها. قدرات مثقفينا لا تظهر عبر اجترار الأعراف وأنماط التفكير القديمة, فهذه أصبحت في حكم الميتة ولا قبل لها بمواجهة ثقافة التحديث العالمية. المثقف يمارس دوره ببناء جسور تصل الثقافة القديمة بالجديدة, الداخلية بالخارجية, ويتولد من ذلك دمج وتجديد للأفكار يتجاوز فيه المثقف إرثه المعنوي ويتجاوز فيه ثقافة غيره. هذا هو الإنجاز الباهر الذي يصلّب عود المجتمعات التي تتحول بالوتيرة العنيفة التي نتحول بها, وهذا العمل الدؤوب من جانب المثقف هو الذي يمكّن مجتمعه من الصمود فلا تقتلعه عواصف الحضارات الأخرى, وفي الوقت ذاته لا يتحجّر كالتمثال بداخل ثقافته القديمة. مثل هذا الدور يعجز الموظفون الحكوميون عن القيام به. وهو خارج مجال تفكير وقدرات الساعين وراء الإنتاج المادي وصناعة الثروات. لكن هذا الدور يقوم به الكاتب والموسيقي والرسام بتلقائية وطبيعية لأنه يستمد وجوده من ممارسته. لكن كيف لمبدعينا نحن في الإمارات أن يقوموا بمثل هذا الدور, وهم الذين يعانون التهميش والاحتقار من قبل إدارات متعاقبة في وزارة الإعلام والثقافة بل وفي عموم وسائلنا الإعلامية؟ أقل تفحص لوضعنا الثقافي يفضح حال مبدعينا: هزيلون, بؤساء, ضعيفو التقنية, مهزوزو الثقة بأنفسهم, تنتابهم ألوان لا حصر لها من العصاب, القلق, الكآبة... أيمكن لهؤلاء حقاً أن يعيدوا نسج وعينا الجماعي, وأن يمنحوه مكاناً آمناً تحت الشمس؟ نعم! لكن ليس قبل إخراجهم من حالة الهزيمة التي تحبطهم وتوفير البيئة المؤسسية الكفيلة بتمكينهم من أداء رسالتهم. كيف يمكن لوزارة الثقافة أن تحتضن المثقفين؟ * البدء أولاً بإعلاء شأنهم في المجتمع وذلك برصد جوائز سنوية مجزية في مختلف حقول الإبداع. بذلك تتكرس منزلة رفيعة للمثقفين, خصوصاً في عيون الأجيال الشابة التي تتشجع ومنذ عمر صغير لتنمية مهاراتها الفنية والأدبية والفكرية, وبحيث يرى الجيل الجديد أن المجتمع يقدّر حامل القلم والريشة والكاميرا كما يقدّر صاحب المال ورجل الدولة. * تحصين المبدعين من ضرورة العمل الوظيفي. فليس مجدياً إضاعة أوقاتهم في الوظائف الحكومية. فالثقافة اليوم أمست صناعة تقتضي التفرغ الكامل لها. وهذا يوجب توفير ضمانات العيش الكريم للمبدع لينصرف إلى عملية الإنتاج الثقافي دون قلق على لقمة الرزق. والارتباط المزمن في ثقافتنا العربية بين الفقر والثقافة يجب أن ينقطع, ويجب في مجتمعنا الجديد أن نكذب مقولة الجاحظ لوصف تردي حال من كان في رغد من العيش: أدركته حرفة الأدب! منذ عدة سنوات تبنت الحكومة البريطانية يانصيباً سنوياً يوفر مئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية تخصص للأنشطة الثقافية ودعم الموهوبين. وفي فرنسا ومنذ السبعينات تفرض ضرائب على بعض الأجهزة, كجهاز الفوتوكوبي, يخصص ريعه للثقافة. أما هولندا وبعض الدول الاسكندنافية فقد أدخلت رعاية الموهوبين في برنامج الضمان الاجتماعي لضمان انصرافهم للعمل المبتكر. من المهم لنا أن ندرس هذه التجارب ونغربلها ونختار من بينها ما يلائم طبيعة بلدنا. ومن المهم أيضاً دراسة الضوابط الكافية لضمان ألا يصبح برنامج دعم الموهوبين برنامجاً للبطالة المقنّعة. * تطوير دعم الجمعيات الثقافية القائمة والتي تعاني شح الموارد وإلحاقها بمجلس وطني للثقافة تناط به مهام الرعاية المباشرة للمبدعين ونشر إنتاجهم على أوسع نطاق ممكن. * حماية حصة المادة المنتجة محلياً في وسائل الإعلام العاملة في البلاد بحيث تتوفر ضوابط كافية تلزم هذه الوسائل على فتح صفحاتها وأوقات بثها لنسبة كافية من إنتاج المبدعين المحليين ولمواد ذات طابع محلي. * * * هذه الخطوات لا تمثل كل ما يمكن القيام به في هذا المجال لكنها تقدم حداً أدنى لما يجب أن نقوم به إن نحن أردنا أن نكسر حال العجز التي تعصف بثقافتنا الوطنية، وأن ننطلق منها لنمارس دوراً فعالاً يحقق بعضاً من أحلامنا ويشغل مكاناً صغيراً لنا في دنيا الفكر والأدب والفن والعلوم.





الاحتضار والوئد في ثقافتنا العربية


هناك أسئلة تتصل بالمجلات الثقافية تستفز التفكير في بعض البديهيات المتداولة في الفضاء الإعلامي ويكثر تداولها بين المثقفين. سوف أعرج أيضاً على تجربة الأزمنة العربية من حيث هي مجلة ثقافية بامتياز رغم ما تعارف عنها كمطبوعة سياسي.
يرى البعض بأن المجلات الثقافية تواجه حالة وجودية تعلقها بين حافتي الاحتضار والمقاومة. لكن بعض التأمل سوف يكشف التباسات في هذه البديهيات علينا ألا نتحرج من مواجهتها.
هل حقا أن مجلاتنا الثقافية الآن أو في أي وقت مضى تواجه خطر الاحتضار؟
لو رصدنا هذه المطبوعات من جانب صدورها على مدى قرن ونصف لوجدنا فعلا ان عددا من المطبوعات لمع في سمائنا فترة من الوقت ثم انطفأ, في مصر وهي مركزنا الثقافي العتيد, وبغداد وبيروت والدوحة ودبي. لكن من الصعب أن نقفز إلى الإعلان بأننا إزاء مقابر لشواهد المجلات الثقافية الورقية. فهناك الكثير من هذه المطبوعات يصدر بانتظام عال, والاستثناء هو الاحتضار والتوقف عن الصدور. وتمثل مجموعة من الإصدارات الكويتية المنتظمة نموذجا لحال الاستمرار الطويل بالصدور دون إشكالية تذكر وعبر نظام توزيع يتيحها للقارئ العربي حيثما كان وبأسعار بمتناول يد الفقراء.
من الواضح أن الإعلام الثقافي الورقي يلقى رعاية كبيرة من مؤسسات حكومية وشبه حكومية وأهلية ومن التعجل إصدار الأحكام عن حال احتضار تعيشها المجلة الثقافية العربية.
لكن إذا لم يكن الأمر يتصل بالصدور, فهل حال الاحتضار يقصد بها العزوف عن قراءة المطبوعات الثقافية وعن حقيقة أن هذه المطبوعات كانت ذات أثر كبير في حياتنا العامة في الماضي فيما هي اليوم تعاني من تهميش في الدور مع بروز وسائط إعلامية جديدة منافسة في فضاء التلفزيون والعنكبوت العالمي الواسع. بيد أن تراجع قراءة المطبوعات وانحسار الدور المؤثر هما شيئان يصعب رصدهما نظرا لتعدد المنابر من جهة ولأن تحميل المطبوعات الورقية دورا في الحياة العامة هو شيء ظرفي ولا يتصل بوظيفة أصيلة لهذه المطبوعات في صميم العملية الثقافية الخالقة. حتى العزوف عن القراءة الذي يكثر الحديث عنه قد يكون ظاهرة مناطقية, فتناقص عدد القراء في ساحة معينة- الخليج على سبيل المثال- قد يعوضه زخم في ساحة أخرى: المغرب على وجه التأكيد. بمعنى آخر, من الصعب إطلاق تعميمات واضحة حول انحسار القراءة للمطبوعات الورقية بسبب تعقيد ساحة القراءة العربية من جهة, وإلى حقيقة أن عملية القراءة للمطبوعات الورقية نفسها لا ينبغي أن تعيش هاجسا كميا, فالثقافة بطبيعتها تنتج موادا تقتضي مستويات تعليمية عالية وتدريبا معينا على تذوق فنون متخصصة, ولا يجب أن نحاكم مثل هذه المطبوعات بكميات ما يطبع أو يقرأ منها.
التباس آخر في تثمين حال المطبوعات الورقية إضافة لما سبق ذكره يتمثل في تقاليدنا الثقافية القديمة. فنحن ومنذ فجر وعينا الثقافي في القصيدة السابقة لظهور الإسلام نستعذب الحنين للماضي متجسدا في الحزن على الأطلال والتوجع على الأيام الخوالي. وهذا ليس شيئا معيبا في حد ذاته, فلم لا نستذكر الماضي ولم لا نبكي غياب الراحلين, ولم لا نستحضر لحظات ما جميلة برقت في غابر الأيام؟ المشكلة تحدث بالطبع حين يطغى وعي الحزن على الأطلال على قدرتنا النقدية: أن نحاكم ما حدث في الماضي بشكل عقلاني أو إنساني- والأخطر حينما يتحول الحديث في الماضي إلى مصادرة شاملة لحاضرنا القائم ووعوده المقبلة.
من المهم ونحن نرصد حال الإعلام الثقافي الورقي ألا تصبح تجاربنا العظيمة سجونا لأبنائنا وأحفادنا نرغمهم على ولوجها والانحباس في جنباتها. من المهم أن نحترم حق كل جيل في صنع أدواته المناسبة لزمنه وذائقته الفنية ودون أن نفرض عليه نمطا معينا أثبتت كفاءته في زمن مضى لكن قد لا يكون قادرا على التعبير بكفاءة اليوم أو غدا عن حاجات وتطلعات أجيال جديدة. والأدوات الجديدة التي تظهر مع الإنترنت والوسائط المتعددة والسينما على سبيل المثال لا الحصر تحمل وعودا لتجاوز الماضي ولتشييد صروح ثقافية قد تكون أغنى بكثير من هياكلنا الموروثة.
إضافة لما سلف من التباسات هناك ايضا التباس يتصل بالميل لدينا للاهتمام بالعربة أكثر من الاهتمام براكبها. هي الحال ذاتها التي يجسدها الطفل الذي يصب اهتمامه ليس بالهدية التي اعطيت له بل بالعلبة التي غلفت فيها. الطفل الرابض داخل كل واحد فينا ربما يستحضر كيف أننا نقوم مثل كلاب الصيد بشم رائحة المجلات ونميز العربي الكويتية من الآداب اللبنانية من رائحة حبرهما وورقهما... هذه الطوطمية, او الاقتراب الحميمي من المجلات له جاذبيته وفتنته لكن الحقيقة التي كثيرا ما تفر من أمامنا هي أن المجلات ما هي إلا أبواب لدخول عوالم الخلق الأدبي حيث يتم إنتاج المعاني وتشكيل الأفكار ونسج الجمال. والاهتمام نتيجة ذلك لا يجب أن ينصب على المطبوعة من حيث هي مطبوعة بل عليها كحاضنة للخلق والابتكار الفنيين. السؤال المهم هنا هو تثمين المقدار الذي تنجح فيه المطبوعة في أن تكون مصنعا للأدب والثقافة. وهنا نأتي لمربط الفرس, إلى العصب الحائر في ثقافتنا العربية إلى السؤال: ما مدى مساهمة مطبوعاتنا الثقافية في صناعة ثقافتنا العربية وحدود وآفاق استيعابها للمبدع العربي.
لا أمتلك إحصائيات بيدي, لكننا جميعا بالتجربة المعاشة نكتشف أن مقابل كل أديب ينجح في الوصول إلى الشط هناك الكثيرون ممن لا يصلون أبدا: المبدع الذي لم يملك الأدوات المناسبة او المفاتيح الضرورية لصياغة رؤيته, الذي لم يلق الرعاية الضرورية في مدرسته أو بيته, أو الذي بكل بساطة بقي أميا, أو الذي تخطى كل الحواجز لينتهي مضطرا للعمل اليدوي ليعيل أسرته. هؤلاء الموءودون يمثلون العنصر الغامض في المعادلة الثقافية العربية. وقد لا يكون من العدل أن نحمل المطبوعة الثقافية العربية وزر الوئد المستمر للموهبة لكن على الأقل من المهم أن نتساءل عن دورها في مواجهته.
عندما أصدرنا الأزمنة العربية في مارس ١٩٧٩ كان هناك مشروع ملموس لمواجهة وئد الموهبة. انطلقنا بالتساؤل عن موقع المطبوعة الثقافية في تقاليد الكتابة السائدة, في حقيقة أن ما يكتب في كل المطبوعات وليس الثقافية فقط يكتب لأجل الكاتب وليس لأجل القارئ: نظام مقلوب تسود فيه الصفحات برغم أنف القارئ إرضاء للمكتوب عنه, في صفحات السياسة هي الحال نفسها كما في صفحات الرياضة, وفي صفحات الاقتصاد كما هو الحال في صفحات المجتمع: نظام علاقات عامة يلون الصفحات لتمجيد أحدهم ولإعلاء شأنه. في قلب هذا التحدي حاولت الأزمنة العربية التفلت من خيوط العلاقات العامة القائمة وصدقيتها في التعبير الحر عن نفسها.
ككل المطبوعات خصصنا في بداية الصدور صفحة لردود ومساهمات القراء, لكن بمرور الوقت لاحظنا أن المساحة المخصصة لهم لم تكن تكفي الطوفان المتزايد من الرسائل, وأن الكثير من هذه المساهمات كان ذو جودة عالية إلى الحد الذي يجعله يتفوق على مساهمات فريق التحرير المتفرغ. كانت الكتابات تكتسب في الغالب طابع الرأي في مختلف الشؤون, من السياسة إلى المجتمع إلى الرياضة. لكن نسبة ليست قليلة كانت تمارس لعبة الأدب والفن. كانت هناك مادة خصبة في النقد الأدبي وكان هناك الشعر والخاطرة والقصة. بالتدريج بدأنا نفتح أبوابا وزوايا جديدة لاستيعاب هذه الكتابات, وفي لحظة اكتشفنا أن المساهمات التي تأتي من القراء تخطت ثلثي صفحات المجلة. اتهمنا لاحقا أننا كنا بعملنا هذا نمارس هرطقة مهنية تخترق قواعد غير مكتوبة تحدد من هو القارئ ومن هو الكاتب. وتم انتقادنا بأننا ننشر الغث والمتهافت. لكننا صمدنا في وجه الطوفان الجديد لأننا مع بعض الغث كنا ننشر الكثير من السمين, بل أننا بدأنا نعيد تعريف ما هو غث وما هو سمين. والأهم أننا كنا نعيش ايقاع الطلق كل يوم مع ولادات جديدة لكتاب ورسامين ومصورين.
وظائف الأزمنة العربية المختلفة أخذت تغطيها العديد من المطبوعات, لكن للأسف إلى اليوم هناك القليل من يحتضن ويرعى كتاب الغد. فلا تزال صناعة الثقافة فعلا شيطانيا يأتي من لا مكان في ثقافتنا العربية. ورش الكتابة شبه معدومة, وتواصل الأجيال المبدعة التي اخترقت الحواجز بالأجيال الجديدة يكاد يكون معدوما. والغريب أنه في ظل هكذا حال فإن ثقافتنا العربية تواصل التجدد.
المعجزة المذهلة أنه برغم أن أرضنا بركانية حارقة فيما يتصل بالمبدعين والموهوبين إلا أنهم يواصلون الظهور برغم الشروط المستحيلة. كيف يمكن للمبدع أن يظهر في بيئتنا العربية؟ هذا هو السؤال اللغز الذي يتعين على أحد فك طلاسمه. لأنه إذا أحكمنا المنطق فلا يجب أن يظهر مبدع واحد, خصوصا أن تجربة الآداب والفنون عند باقي الأمم تجعلها صناعة معقدة وطويلة ترتبط فيها القدرات الفردية مع التنظيم الاجتماعي والتعليم العالي ومؤسسات النشر والإعلام المتخصصة وآليات التسويق إضافة لمؤسسات الرعاية والتمويل للبحث والإبداع. المذهل ليس أننا نمتلك مبدعين في غياب هذه العملية والتي تشكل البنية التحتية للإنتاج الفني والأدبي الحديث بل في حقيقة أننا نمتلك ازدهارا في ألوان مختلفة من الفنون متميزة للغاية, في الشعر والرواية بالذات.
*هذا المقال معدل عن مساهمة في ندوة أزمة المجلات الثقافية عقدها المركز الثقافي بعجمان في مطلع مارس 2010.




لماذا يقذفوننا بالوحل؟


إذا كان هناك إجماع بين المثقفين على شيء فهو على جلد الثقافة وجمهورها العربي.. ونماذج من هذا الجلد نقرؤها بشكل مستمر في الصفحات الثقافية. على صعيد المثال كتب أحد المثقفين في الأسبوع الماضي في صحيفة إماراتية بأن الصين طبعت من الكتب ستة أضعاف عدد سكانها في عام واحد، وتساءل: "ترى هل طبعنا نسخاً بعدد قراء العربية في نصف قرن؟" وأنهى مقاله متحدياً: "ليكاتبني أحدكم لو امتلك رقماً ليس مخجلاً".
لكن الأسوأ جاء على صفحات عدد أبريل من مجلة وجهات نظر المصرية، التي كتب فيها جهاد فاضل مقالاً حمل عنوان "احتضار الفكر العربي" شن فيه هجوماً سخَّف فيه وحقّر إنتاجنا الثقافي العربي في نصف القرن الماضي كلّه وانتهى إلى تكرار حكم أطلقه سابقاً الباحث هشام جعيط مؤداه "أن لا وجود لمثقف عربي، باستثناء قلة قليلة جداً، كما لا وجود لمفكرين".
أين الحقيقة وسط هذا العويل والضجيج والبكاء على أطلال الثقافة العربية؟
لا يتطلب الأمر عبقرية كبيرة ليعلمنا أحد أننا دون غيرنا في مجالات عديدة في العلوم والآداب والفنون، لكنه من الظلّم أن نبخس أدباءنا وفنانينا وباحثينا دورهم المهم في حياتنا الثقافية. ولو تمعّن نوّاحو الثقافة في هذه الكتب الكثيرة التي يقارنون وجودها في الغرب والصين بما عندنا لاستطاعوا أن يكونوا حذرين في إطلاق الأحكام السريعة.
بداية، ومع ثورة الإنترنت والفضائيات فإن طباعة الكتب لم تعد مقياساً أميناً للتقدم الثقافي، بل هي قد تكون بسبب استنزاف الشجر في صناعة الورق ظاهرة معادية للبيئة. وهذا السبب وراء تناقص الكتب المرفقة ببرامج "السوفت وير" ولجوء الشركات للاكتفاء بإعطاء قرص ليزر يحتوي دليل الاستخدام.
كثرة الكتب الصينية يجب أن يتم فهمها بالغوص في التفاصيل: عن طبيعة هذه الكتب، وهل هي مرتبطة بتثقيف شعبها أم مجرد كتب للتصدير مع منتجاتها المختلفة، أم أنها كتب تتم طباعتها في الصين لصالح دول أخرى لتوفير التكاليف. وبرغم التقدم الكبير للغرب في مجالات كثيرة إلا أن تقدمه الثقافي مبالغ به؛ فكم هائل مما يكتب في الغرب هو من المطبوعات الشعبية التي تُقرأ في القطارات ثم تلقى في القمامة: قصص عاطفية ومغامرات ساذجة وحكايات مرعبة، ونلاحظ في هذه المجتمعات أنه بخلاف الخاصة فإن سواد شعوبهم لا تهمه الثقافة ولا تشغله القضايا الفكرية الجادة. الغالبية العظمى من المواطنين الغربيين لا تقرأ ولا تهتم بالأدب أو الفنون، الفارق الجوهري في وضعنا لا يتصل بالجماهير، فلا جماهيرنا ولا جماهيرهم مهتمة بالثقافة ـ الفارق الحاسم هو أن نخبتهم تهتم بالثقافة والفكر، أما نخبتنا فبدلاً من أن تقرأ وتتذوق الفنون المنتجة محلياً تمضي أغلب الوقت في البكاء على الأطلال، كما كان يفعل شعراؤنا في العصور السابقة للإسلام.
والحديث عن فشل أدبائنا وفنانينا هو أيضاً مشكوك في صحته؛ فالعديد من مبدعينا ومفكرينا قاموا باقتدار بدورهم الثقافي وجمّلوا حياتنا وأكسبوها المعاني، برغم أنهم يعملون في ظل ظروف مستحيلة، فلا رعاية مادية تكفي للعيش الكريم ولا تقديرَ معنوياً يمكّنهم من التأثير في حياتنا العامة.. هل هم متميّزون في الساحة العالمية؟ لا أعرف، لكن ذلك ليس هو الشيء المهم. المهم هو أن يتميّزوا أولاً على أرضنا، وفي ذلك هم بلا شك يؤدون مهمتهم ببطولة نادرة، وليس من المجدي أو المعقول أن يتم النيل منهم بالكيفية التي فعلها جهاد فاضل أو هشام جعيط.. والمنهجية العلمية لا تبيح لهما أو لغيرهما إصدار هذه الأحكام القاسية بحق المفكرين والمبدعين العرب من دون تقديم الأدلة بالتفصيل الممل. الحجة الوحيدة التي تقدم كدليل على ضعف ثقافتنا هو أن الغرب لم يعترف بها. وهي حجة واهية؛ فاعتراف الغرب قد يكون ضرورة في العلوم والطب والتكنولوجيا التي يتفوّق فيها، لكن في الفنون والآداب هو شيء ليس مهماً؛ فعلى سبيل المثال، فإن أدبنا الشعري كلَّه -وهو يمثل أهم إنتاجنا الإبداعي- ليس في متناول الغرب لأنه غير قابل للترجمة، لكنه مصدر رئيسي في تحديد قيمنا الجمالية والأخلاقية كعرب. إلى ذلك فالكثير من الدراسات الإنسانية والاجتماعية التي تتناول أحوالنا العربية في الجامعات ومراكز البحث الغربية يقوم بها طلابنا العرب المبتعثون إلى هناك لهذا الغرض، وتتم بإشراف أساتذتهم الغربيين. حتى الدراسات التي يقوم بها غربيون تمتلئ بالاقتباسات والنتائج المستخلصة من باحثين عرب. لهذا فَقَذْفُ إنتاجنا بالوحل هو تصرف لا يُفَسَّر إلا بامتلاك عقدة الخواجه والشعور بالنقص إزاء الثقافة الغربية.
تعليقات القراء
 أشكرك أخي على هذا الموضوع الجميل
والشيق وكيفية الردود الجميلة ضد الفئة التي تتهم ثقافاتنا التي مضت بأنها لم تكن يوما!
وأشكرك في توضوح النقطة التي تجعل الفرق بين نخبتنا ونخبتهم
التعليق : بواسطة مريم القبيسي — أبريل 27,2008 @

هـــذا هو الكلام الذي تمنيت سماعه منذ سنوات لأجل إبكام المعقدين والمعقدات من طرف المبدعين والخواجات ..
التعليق : بواسطة سوسن — أبريل 28, 2008 @ 4:33 pm




٣ روايات للأديب شاكر نوري 


في خلال أسبوع واحد قرأت ثلاث روايات غير عادية: نافذة العنكبوت (٢٠٠٠)، ونزوة الموتى (٢٠٠٤)، وديالاس بين يديه (٢٠٠٧) للأديب العراقي شاكر نوريظهور روائي .موهوب في أي شعب هو حدث كبير بكل المقاييس، ويستدعي قدراً من الاحتفاء النقدي والتفاعل بالقراءة من قبل النخب المثقفة والجمهور العريض. لكن شاكر نوري وفي معيته المئات من الأدباء والفنانين والمفكرين ضاعوا في دخان الحروب والعنف الحاد الذي يعيشه العراق. وديالاس، اسم النهر الذي تتغنى به روايته الأخيرة، اسم لا نعرفه نحن الذين نتلقى الأخبار السيئة يومياً إلا مرتبطاً بالخطف والعمليات الانتحارية والقتل المجاني في محافظة ديالى ضمن المحافظات العديدة التي يتم فيها الموت بشكل اعتيادي وكأن القتلى ليسوا أكثر من حشرات لا قيمة لها، تموت وهي تقذف نفسها وسط النار.
نافذة العنكبوت ترصد العراق الحديث في تجربة الحربين ضد إيران والكويت. الحرب هي البطل الرئيس في الرواية على الرغم من أن أحداث الرواية تتم بعيداً عن ساحة القتال، وعلى الأخص نرصدها من خلال جندي فارّ من واجبه ليتمكّن من أداء واجب آخر: أن ينجب طفلاً. تقوم الأم باستدعاء الأخ الأكبر من مدينته البعيدة حيث يعمل ليساعد أخاه في تجاوز محنته النفسية ليؤدي الواجب الأسري في الحفاظ على استمرار السلالة.. في النهاية ينجح الجندي العاجز في المهمة المستحيلة، وفعلاً تنجب زوجته طفلاً. كيف حدث ذلك رغم أنف الطب والعلم؟ مهم ألا نفشي السر لمن يود أن يقرأ العمل- وهو عمل رائع بكل المقاييس ويستحق أن يقرأ. وعملية التواطؤ الجماعية التي تتم دون وعي ظاهر بين الأخوين والأم والزوجة لإتمام المهمة بنجاح نادرة في الأدب، وهي تذكّر بعملية التواطؤ الجماعية التي تحدث في رواية ماركيز (يوميات موت معلن) لأجل قتل شخص، حيث يتعاون عدد كبير من الأشخاص، أيضاً من دون قصد، لإنجاح المهمة رغماً عن أنف القاتل الذي يحاول يائساً التنصل من مهمته.
في الرواية التالية (نزوة الموتى) هناك نقلة من التراجيديا إلى الكوميديا، لكنها بالطبع الكوميديا المظلمة. في العنكبوت تدور الحكاية حول الإبن، الذي يسعى الجميع لاستيلاده عنوة، أما في النزوة فالحكاية تتابع جهد الإبن لإنقاذ رفات أبيه من الضياع. تبدأ الرواية بوصول برقية إلى باريس تعلم فيها الأم ابنها أن بلدية مدينته في العراق قررت بناء دار عرض سينما محل المقبرة، وأن مسؤوليته كإبن تحتم عليه نقل عظام أبيه إلى مقبرة أخرى. عندئذ تتسلسل الأحداث وندخل عالماً روائياً كثيف النسج يذكر بعوالم فرانز كافكا في متاهات الدواوين الحكومية، وهلوسات هنري ميللر الجنسية. في النهاية ينجح الإبن في أداء واجبه. لكن شخصيته تتحول وجهة أخرى ويتعذر عليه أن يعود إلى سكون حياته الباريسية السابقة.
في روايته الأخيرة (ديالاس بين يديه) هناك طلاق بائن مع نهج الروايتين السابقتين، فلا المأساة ولا الملهاة المأساوية حاضرتان. نحن هنا إزاء تذكارات ولد ينمو في مدينته الصغيرة ويشق طريقه الصعب من الطفولة إلى المراهقة. تتخذ الرواية قالب السيرة الشخصية، ويقوم الكاتب جاهداً بتهديم مكونات الرواية في صفحاتها، فلا هناك اعتماد على حبكة ولا يوجد معمار درامي لتوالي الأحداث. يفر الكاتب من الأبنية الروائية إلى بناء ملحمي مفكك لعناصر الوجود الأولى، وللشعرية الكامنة وراء البساطة.
يقدم نوري في رواياته فناً خالصاً. ليس قصص تسلية رائجة بل أدباً يسعى وهو يقدم الحكاية إلى فضح ما وراءها مما يخصنا نحن القراء في معاشنا ومماتنا وفرحنا وبكائنا. ولعل المشهد العراقي الراهن الذي يزداد استعصاء على الفهم بحاجة لحساسية الأديب والفنان ليحل طلاسمه بعد أن نجحت السياسة في تشويشها. في ديالاس فرح الأب بسقوط الملكية في الخمسينات فأخذ يحطم صور الملك في الشوارع، لكن كان للأم موقف آخر، فقد هالها كيف أن الملك وأسرته جرى قتلهم بدم بارد. ولم يمض إلا وقت قصير على الأب الفرح بزوال الملكية ليشاهد زعيمه الأوحد المحبوب وهو يلقى في الإذاعة المصير نفسه الذي لقيه الملك.. ولعل الدرس هذا، رفض الطفل للعبة القتل برمّتها هو الكنز الذي منحته إياه أمه إضافة إلى التمر المقلي مع الجوز واللوز الذي كانت تدسّه له في حقيبة المدرسة. ولعل هذا الدرس كان سلاحه ليحافظ على آدميته وهو يغادر مدينته متوجها إلى فوهة البركان السياسي، بغداد المهووسة بالانقلابات والتي تستعد لوصول صدام حسين وأصحابه. وبالتأكيد فقارئ ديالاس سوف يترقب بشوق الجزء التالي من ملحمة الطفل-الشاب في عاصمة العراق.



الحبل يلتف حول عنق مهدي الراضي 


قرأت قبل أشهر هذا الخبر: كاتب عراقي اسمه مهدي الراضي ينتحر في شقته بدمشق.قلبت الصفحة سريعاً. تكفينا مآس نبدأ بها يومنا! لكن لم أستطع التوقف عن التفكير فيه.
مهدي الراضي. سألت نفسي إن كنت التقيت به سابقاً في مؤتمر أو ندوة ما. لكن لم أتذكّر. بعد أيام جاءت الصدمة. سألني صديق إن كنت قرأت الخبر. ثم ذكّرني أن المنتحر عمل معنا لفترة قصيرة في مشروع إعلامي. عذرت نفسي للنسيان فقد مرّت ٢٧ سنة على آخر لقاء بالأديب العراقي الراحل. من بين كتابات التأبين على الإنترنت رصد الكاتب عبدالرحمن الماجدي جانباً من الشخصية الطيبة للراحل واستحضر حادثة مرت على مهدي الراضي في ليلة زفافه في بيت صغير بإحدى حارات دمشق حين طرق آخر الليل بابه الشاعر آدم حاتم الذي لم يكن يعلم أن مهدي تزوج هذه الليلة طالباً منه مأوى له فقد ضاقت حارات دمشق عليه وما كان من مهدي إلا أن يرحب بصديقه وابن مدينته ليبيت ليلته ويفوت على مهدي احتفاله بليلة زواجه. في مكتبة بيتي فتشت عن كتاب لمهدي الراضي فاكتشفت مجموعة مسرحية باسم «حلم يوم ما» وقد كتب إهداء لي فيه: .. مقدمة صداقة على درب الحقيقة والحب والغد الآتي، ٥ يناير ١٩٨٠. ياللهول! تذكرت الرجل فجأة بشكل كامل: شاب نشط لا يهدأ يعلّق بمرح ودعابة على كل شيء. ماذا حدث لذلك الشاب العاشق للحياة ليقرر في النهاية أن يودّعها منتحراً؟ المأساة في هذا الموت اللامعقول في حارة دمشقية أن يحدث لشخص مثقف ومبدع يفترض فيه أن يحصّن الآخرين ضد ما ينتزع حبّهم للحياة. أو ليست وظيفة الفن هي السعي وراء الجمال- خلقه، تجسيده، الاحتفاء به، تذوقه، تقديمه للناس؟ ماذا حدث لمهدي الراضي في رحلته المأساوية عبر ثلاثة عقود ليربط أنشوطة الحبل في السقف، ليثبت الكرسي تحتها، ليدخل عنقه في الربطة ثم ليركل الكرسي بشكل مسرحي ويظلّ يتدلّى في الهواء؟ ما الذي حدث؟ كل إنسان معرض للكآبة ومعرض ليغوص فيها عميقاً، ولا شك أن إقدام إنسان على الانتحار يعني فيما يعنيه تخطي المنتحر لجملة من الحواجز الدينية والنفسية ليستطيع في النهاية أن يطفئ الحياة التي يتعلم طول حياته أن يوقدها وأن يتشبث بها. بل إن المنظور النفسي للانتحار يضع المنتحر في فئة المصابين بالكآبة الجنونية manic depression وهو ما يلزمنا بأن نتعاطف مع المنتحر وليس بأن نلعنه كما يفعل بعضهم ممن يفهم الدين فهماً ناقصاً. أرجعت تقارير أجهزة الأمن سبب الوفاة إلى «ضغوط نفسية صعبة ألمت به أخيراً».. لكن الأديب السوري حكم البابا أرجع الموت للسياسة: «اليوم وبعد تحوّل الفردوس العراقي من مفقود وممنوع ومشتهى إلى مهشم وبائس ودموي، تغطي فيه رسائل القاعدة التلفزيونية على مسرحيات جواد الأسدي، وتعلو فيه أصوات جيش المهدي الثأرية على أشعار بدر شاكر السياب، ويصدّر صورته عبر الرؤوس والأرجل والأيدي المقطوعة بدلاً من أغاني ناظم الغزالي، فلن يكون مهدي الراضي لا أول ولا آخر المثقفين العراقيين المنتحرين».
مؤلفات مهدي الراضي:
حلم يوم ما- 3مسرحيات- بغداد 1979. مدن الشمع- قصص- بغداد 1980. بيان الحب والعذاب- رواية- دمشق 1982. الجنرال والعندليب - مسرحية نشرت في مجلة الكفاح العربي . بيروت 1983حكايات للمدى - عشر طبعات - منشورات دار الجماهيرية الليبية 1984 حكايات للمدى- رواية- ليبيا- 1984 طبعة ثانية- دمشق 1990. حفلة اعدام- رواية- دمشق 1988. سيدي الكلب .. ليبيا 1992. مسرحية الولد المدلل بالاشتراك مع عبد الرزاق جعفر. رواية العراقي المهجور 2001 مشيغن.



الأسواني فـي شيكاجو: فنون الدناءة


لا يزال صدى رواية علاء الأسواني الأولى «عمارة يعقوبيان» يتردد إلى اليوم بعد صدورها بـ ٤ سنوات. وبرغم عدم استقبال الفيلم السينمائي الذي يحمل الإسم نفسه بحرارة من قبل الجمهور العريض إلا أنه حاز بعض التجاوب من العديد من الناقدين السينمائيين. لذلك كان صدور الرواية الثانية للكاتب في بداية هذا العام حدثاً انتظره الكثيرون ليتذوقوا وليمة أدبية يفترض أن تتفوق على الوليمة الدسمة الأولى. لكن للأسف فإن عمل الأسواني الثاني الذي حمل إسم «شيكاجو» ، والصادر عن دار الشروق من القاهرة جاء وكأن كاتبه لم يسكن عمارة يعقوبيان. لا يخطئ الأسواني بصياغة التشويق والإثارة على مدى الصفحات، وهي لذلك رواية «شهرزادية» بامتياز تواصل التراث القصصي القديم الذي يحبس أنفاس القارئ وهو يقلب الصفحات طلباً للمزيد. لكن تسمية شيكاجو بالرواية هو كرم فني مفرط. فبرغم الحشد القصصي الكثير فيها إلا أنها أقرب ما تكون إلى مجموعة قصصية يتداخل بعضها مع البعض الآخر وبهذا فهي ليست رواية بالمعنى الحديث للرواية. والسبب في ذلك إلى أن شيكاجو تفتقر للحبكة الروائية؛ العقدة التي تدور حولها الأحداث جميعاً والتي بفكّها تأتي خاتمتها. النبض الروائي تصويري وسريع، على طريقة الأفلام الأمريكية. والتأمل والاستبطان شبه معدوم. الجديد في الرواية: إحياء تراث الكتابة الروائية خارج العالم العربي فبعد باريس توفيق الحكيم ولندن الطيب صالح تأتينا شيكاجو علاء الأسواني. لكن هنا نواجه أيضاً التباسا؛ فشيكاجو التي تحتل عنوان الرواية منفردة لا نكاد نجد لها حضوراً على صفحاتها، إذ لم يتم رسم ملامح كافية للمدينة تميّزها عن غيرها وتشعرنا بخصوصيتها وبروحيتها، رغم أن الكاتب لم يقصر في حشد التفاصيل التاريخية عنها. ولهذا فإن الشخصيات التي تعيش في المدينة تبدو وكأنها تعيش في أي مكان آخر، وسلوكها أقرب ما يكون لعيشهم في القاهرة. المدينة هي أكبر الشخصيات في معظم الروايات، لكنها في شيكاجو المسماة باسمها لا تظهر إلا كشبح مدينة، والنتيجة الطبيعية لهذا الغياب أننا إزاء شبح رواية. لا يوجد أبطال حقيقيون من لحم ودم في الرواية. الموجود هم مجموعة من الأشباح المرسومة على عجل، وهي لا تقنع بكلماتها أو بتصرفاتها… البطل الحقيقي في الرواية هو مؤلفها الذي يحمل موقفاً مخاصماً للحكومة ويعرّض نفسه للأذى في كل صفحة من صفحات الكتاب. يحاول الكاتب في روايته أن يواجه الحالة المصرية المتدهورة سياسياً واجتماعيا وطائفيا. في هذا الحقل تعمل الرواية بفاعلية هجائية عالية على إرساء خطاب نقدي متقدم. تمثل شيكاجو استمراراً في الغوص في عوالم الدناءة والخسة والقسوة التي نقلها لنا الكاتب سابقاً من عمارة يعقوبيان.. تبدو الشخصيات متشابهة بأسماء مختلفة، وهي لا أكثر من كائنات تسعى فقط وراء إشباع حاجاتها البدائية دون أن تواجه أسئلة الحياة المصيرية، وليس هناك حضور للأطفال أو لكبار السن. وعقدة الرواية كلها قائمة على التباس العلاقة بين الرجل والمرأة، سواء كانت علاقة حب أو علاقة زوجية. الاستثناء الوحيد جاء على يد شخصية أحمد دنانة، الطالب الفاشل دراسياً لكن الأستاذ الكبير في فنون الدناءة؛ وهذه الشخصية تلقت أفضل المعالجات الفنية من بين كل الشخصيات في الرواية. هناك مسطرة بسيطة يقيس الكاتب فيها قيمة كل شخصية؛ مقدار حبها لمصر. لكن هذه المسطرة تختزل كل قيمة أخرى وتحول حب الوطن إلى هوس من الاعتزاز بعشق مصر، وهذا الهوس يبلغ في تكراره حدود الاعتزاز اللامعقول، وكأن مصر بلدٌ ليس في الكرة الأرضية. هذه الوطنية كانت مفهومة في عصر التحرر الوطني من الاستعمار، أو في مواجهات الحرب ضد إسرائيل. لكنها وطنية لا معنى لها الآن. الأهم من ذلك أن الكاتب وهو منغمس في صياغة رواية تعليمية تحريضية عبر تسييس العمل الروائي قام بدفع ثمن فني باهض. نحن لسنا أمام معالجة فنية للسياسة على طريقة مالرو في «قدر الإنسان»، ولسنا إزاء هجاء فني رفيع للطغيان على غرار معالجة ماركيز في «خريف البطريرك». بل هو لا يرتقي لأعمال مسيّسة بمعالجات عبدالرحمن منيف. المعالجة على يد الأسواني للسياسة هجائية لكنها عادية لا تفاجئ أحداً، ولا تعمّق فهمنا للسبب وراء استمرار الظواهر السياسية ولا لأشكال الصراع المستترة وراء الظواهر غير السياسية. الأسوأ من معالجة السياسة في شيكاجو هي معالجة الجنس. العلاقة بين الرجل والمرأة عند الأسواني هي أيضا كالعلاقة بين الحاكم والمحكوم خالية من أي قيمة فنية. جنس شيكاجو بورنوغرافي «إباحي» يسعى وراء هدف واحد: التجارة. الكتاب في وضعه الراهن لا يستحق أن يدخل بيتاً ليقرأه أفراد الأسرة، ولا أن أن يهديه أب أو أم لأبنائها وبناتها. لهذه الاعتبارات فإن شيكاجو، على عكس عمارة يعقوبيان، ليست أدبا رفيعا، بل هي ليست أدباً أبدا. الرواية أقرب ما تكون لجنس روائي شعبي كتبه العديد من كتاب الستينيات لأجل دغدغة خيالات الشباب. والرواية تعج بتفاصيل لا وظيفة فنية لها. عن الحادي عشر من سبتمبر، وسلوك الولايات الاميركية ضد المسلمين والعرب، وعن الجراحة الطبية وعلوم البيولوجيا وعن الإدارة الجامعية وملاحقة المبتعثين في الخارج … إلخ. والرواية أيضا لا تقنع بما تحمله من المصادفات والأمور اللامعقولة روائيا حتى لو كانت تحدث استثناء في الحياة. الأسواني، الروائي المفرط في اعتزازه بمصريته تنقصه الروح المصرية التي ولّدها شعب واجه الغزوات المتلاحقة والاستبداد اللامعقول. فلنتذكر: قراقوش حكم هناك . لكن المصري، حتى في أصعب حالاته، كان دائما يضحك في وجه حكامه. قد لا يكون السبب هو افتقاد الكاتب لروح السخرية، لكن غضبه السياسي حجب عنه المهزلة والملهاة الكامنة خلف المأساة. وعبر أكثر من نصف قرن بعد انقلاب ٥٢ كان المصريون يخترعون النكتة بعد الأخرى في وجه حكامهم ووزرائهم، لكن الأسواني ظل متجهماً وهو يكتب هجائيته السياسية مشيحاً النظر عن المضحك المبكي.







الجائزة تصفع.. والكتاب يدهش


حازت قبل أسبوعين رواية “عزازيل” للكاتب المصري يوسف زيدان جائزة بوكر العربية للرواية. هذه الجائزة تمثل استفزازاً ثقافياً صريحاً، فهي نوع من الإمبريالية الثقافية لأنها تنطلق باسم الجائزة نفسها التي تقام في بريطانيا للروايات الأفضل المكتوبة بالإنكليزية. الجائزة تستفز ليس لأي ذنب اقترفته فهي في عمرها القصير "سنتان" أدت دورها على الوجه الأكمل وقدمت مساهمة قيّمة للثقافة العربية. ما يغيظ هو الإدانة المستحقة لقافلة من الجوائز العربية المزيّفة التي لا تمثل أكثر من علاقات عامة لإشهار أدباء يفتقدون الموهبة وتقدم من قبل شخصيات لا علاقة لها بالثقافة ولا يجمع كرنفال الجوائز بين كل هؤلاء إلا النقص الشديد في الأدب. حتى في الجوائز الأقل سوءاً لا يستطيع الإنسان أن يقاوم شكوكه حول العملية برمتها: فلا التحكيم مفتوح بما يكفي لإتاحة الجوائز للجميع، كما ليس هناك اختيار للناقدين يطمئن بأنهم يملكون ما يكفي من النزاهة لنصدّق اختياراتهم. لذلك جاءت جائزة بوكر العربية صفعة دافئة لنا، لأنها إلى الآن امتلكت الرأسمال المعنوي الكافي لتكون نزيهة رغم منطلقها السيئ المعتمد على عقدة "الخواجا". هذا عن الجائزة فماذا عن الكتاب؟ "عزازيل" أيضاً تأتي في غبش خاص بها. وأحد الأصدقاء حذرني قبل أن أقرأها بأن لا أتوقع أدباً، لأن كاتبها ليس روائياً ولا أديباً، وأنه توسّل الشكل الروائي لمادة تاريخية لكونه مؤرخاً ومختصاً بتحقيق المخطوطات التاريخية. أحبطني الحكم، لكن روائياً من الأصحاب زاد حيرتي حين أعلن بأنها رواية "غير عادية".و بعد أن انطلقت في قراءة النص انتهت الحيرة: عزازيل عمل شامخ في معماره الفني ويضج بالغنى في مضامينه. ترصد الرواية رحلات بطلها المفتقد البطولة "هيبا"، (وهذا ليس اسمه الأصلي) في داخل بلده مصر من الجنوب إلى الإسكندرية شمالاً، ثم هروبه من تلك المدينة إلى القدس في فلسطين، وتنتهي الرواية شمال سوريا بقرب حلب. لكن الرحلات الأخطر لا تتصل بالجغرافيا بل تدور في وعي "هيبيا". وعلى الأخص رحلتان يصارع فيهما الراهب المصري طواحينه. الأولى لاهوتية تتصل بالمواجهة بين الديانة المسيحية الجديدة والديانات السابقة لها. فهناك فظاعات ترتكب باسم المسيحية بحق الكفار المزعومين: والد "هيبا" وعالمة الرياضيات "هيباتيا" يتعرضان للسحل وتقطيع الأوصال. حتى المؤمنين لا يتم توقيرهم، فيطال الاضطهاد شخصيات كنسية كبيرة مثل نسطور. هذا العنف مروّع في ماديته الجسدية، لكن الشر الأعنف ليس في السحل والتقتيل بل في الهجوم على العقل، في تلك الملاحقات التي تطال كل من يفكّر بشكل مختلف وضد كل القيم التي لا تتفق معه. بعد قرون سيتصاعد العنف العقلي والجسدي للمسيحية بصورأكثر شراسة ودموية في الكنيسة الكاثوليكية في روما وفي محاكم تفتيشها الممتدة عبر القارة الأوروبية بأكملها لتطال كل عقل حر. في رحلة اللاهوت ينهزم "هيبيا" شر هزيمة وفي كل مراحل الصراع. بيد أن الرحلة الأخطر التي ينتصر الراهب فيها على نفسه هي رحلته الإنسانية ضد مفهوم الرهبنة اللاإنساني. يخسر "هيبيا" أعز ما أحب في هذا العالم، المرأتين اللتين أحبتاه وأحبهما وقد فقدهما بسبب انغلاقه الديني، لكنهما برغم ذلك تنقذانه من عملية نفي آدميته حين يقرر في النهاية الفرار. هناك ضجة في وسط الكنيسة القبطية في مصر ضد الرواية، وبالطبع هناك شماتة في المنتديات الإسلامية التي تتصرف وكأن مؤسساتها منزهة عن صور الإضطهاد الذي ولغت فيه المسيحية. لكن يكفي أن نستحضر مشاهد قليلة من ركام هائل يزخر بها تاريخنا لندرك أن التعصب الديني والتسلط على العقول لم تحتكره المسيحية بل امتد لغيرها. وبعض الرصد لما فعله الخليفة المأمون، وهو الأكثر عطاء في مجال تطوير الآداب والفنون والعلوم، يفضح تورطه في إرهاب المخالفين له. تعرضه للإمام أحمد بن حنبل على سبيل المثال. وحين نأتي لصلاح الدين، ننبهر بإنجازاته العسكرية ضد الصليبيين، وتعجبنا فروسيته وكرمه مع أعدائه منهم. لكننا نشيح النظر بعيداً عن تعصبه المذهبي واضطهاده وتنكيله بالشيعة. وحين نأتي لمؤسساتنا الحديثة والشخصيات التي تزعم لنفسها الذود عن الدين تفجعنا فتاوى الأزهر ضد الكتاب والكتب، وتفجعنا أكثر صور عنف بن لادن ضد الكفار المزعومين في غزوات نيويورك وواشنطن. كم مات من المسلمين أنفسهم في تلك الغزوات وفي ردود الفعل ضدها؟ على الإسلاميين أن لا يشمتوا كثيراً، فصور العنف ضد من لا يفكر مثلهم كثيرة. والقيم التي تنطلق منها الرواية تدينهم كما دانت العنف الكنسي، لأن الرواية لا تبدل عنفاً بآخر بل تبدل العنف الديني بالمحبة الإنسانية، هذه المحبة التي تكثر على أفواه القساوسة لكنها تغيب عن قلوبهم، كما تغيب عن قلوب كثرة من رجال الدين في كل مكان وكل ديانة.




من الصدمة إلى الطرق الوعرة


‎حين يصاب إنسان موسر بالفقر في بغداد العباسية كان يقال إنه "أدركته حرفة الأدب", أي أن الشخص المعني الذي قد يكون تاجراً ناجحاً صار يدور في حارات الورّاقين يشتري الكتب, أو هو ربما صار ينظم الشعر ويكتب الخواطر على حساب تطوير تجارته.
هذه الخلفية ربما أبعدت تجارنا في العصور الحديثة عن بناء المكتبات أو مزاولة صناعة النشر, وفي ما ندر على الاقتصار على تقديم الجوائز للأدباء مواصلة لتقاليد قديمة يتم فيها إكرام الأديب في العادة رداً على قيامه بمدح الخليفة.
في الأسبوع الماضي ذهبت لزيارة مكتبة "كينوكونيا" في مول دبي الجديد. المكتبة ذات الاسم الصعب تملكها شركة يابانية وبفروع في عدة مدن آسيوية وفي الولايات المتحدة, وهي أيضاً تعمل على طريقة شركة أمازون الأمريكية التي تبيع الكتب عبر الإنترنت. في داخل المكتبة هناك وفرة كبيرة من العناوين في فروع مختلفة من العلوم والفنون والآداب. مثل هذه المكتبة لا تثير الدهشة في مدن مثل نيويورك أو لندن أو باريس, ففي هذه العواصم هناك عشرات المكتبات التي تضاهي المكتبة اليابانية في مول دبي بل وتزيد عليها في عدد الكتب. لكن هذا لا يقلل من حجم الإنجاز، فقد صرنا نمتلك مكتبة متميزة, وهي بلا شك المكتبة الأكبر في دبي, وربما الأكبر في العالم العربي أيضاً. للأسف تحتوي المكتبة الجديدة على كمية قليلة من الكتب العربية. لكن كل البدايات لا تحقق كل ما يتمناه المرء, وبالطبع ليس من مسؤولية اليابانيين أن يرعوا الكتاب العربي. لكنهم على الأقل باستثمارهم الثقافي الكبير برهنوا على خطأ التصورات الرائجة حول أن صناعة الأدب غير مجدية اقتصادياً, أو أن من يعمل فيها يدركه الفقر. هوليوود تقتبس أعمال أجدادنا الأدبية وتقلبها أفلاماً ناجحة, وتجار التحف والآثار في أوروبا يسوّقون مقتنياتنا بالملايين, لكننا نعجز عن بناء مكتبة حقيقية في بلد يعد فيه أصحاب الملايين - رغم الأزمة الاقتصادية - بالآلاف.
الأزمة الاقتصادية أغلقت باب الاستثمار العقاري لفترة مقبلة قد لا تكون قصيرة. لكن التحدي أمام رجال أعمالنا يتمثل في الآتي: كيف تبتكر مشاريع جديدة لا تقوم على بناء برج وبيع شققه؟ الثقافة العربية تمثل حقلاً ممكناً للاستثمار الاقتصادي. هناك سينما خليجية وعربية يمكن أن تنطلق كما انطلق الفيلم الهندي والإيراني, وموسيقانا العربية لا تزال مجهولة لآذان أمم العالم برغم غناها الفني, ومائدتنا بلا شك قادرة على أن تنافس الأطعمة السريعة التي اخترقت كل الشوارع والمراكز التجارية في المدن العربية. كل منتج جديد يقتضي شيئاً من الفرادة ليستطيع اختراق أسواق جديدة, ولدينا الكثير من الأشياء الفريدة التي تتطلب بعضاً من الفن في الحزم والعرض والكثير من المهارة في التسويق لتنجح في التحول إلى منتجات يقبل الآخرون عليها.
سيخرج العالم من الأزمة الراهنة بعد بعض الوقت. لكنه لن يخرج ليعيد تكرار الماضي.
ونحن في الإمارات أخذنا نشق طريقاً متميزاً في رعاية الثقافة العربية من جوائز مؤسسة العويس إلى البوكر العربية إلى شاعر المليون, لكن آن الأوان لتنتقل الثقافة من مرحلة الرعاية العابرة لقلة متميزة في بعض حقولها إلى أن تكون صناعة دائمة تنتج المبدعين وتحوّل ما يصنعونه إلى شيء يرغبه الناس في عالمنا العربي وخارجه, وهذا شيئ لا يمكن أن ينجز على يد بيروقراطيين حكوميين، هو لا يمكن أن يتم إلا على يد رجال أعمال مقدامين يخاطرون بدخول مجالات جديدة وفي الوقت نفسه بضمان حسن إدارتها لتكون ميادين عمل مجدية اقتصادياً. التحدي القائم أمام رجال أعمالنا الذين أنجزوا معجزة اقتصادية في مجال العقار لا يقلل من شأنها الأزمة القائمة تتمثل في أن يخرجوا سريعاً من الصدمة وأن يهاجروا بأذهانهم بعيداً عن العقار إلى ميادين آخرى, وميدان الثقافة هو واحد من هذه الميادين. ولعل زيارة سريعة لهم لمول الإمارات كفيلة بإلهامهم رؤية جديدة تهديهم للسير في طرق الاقتصاد الوعرة.




كتابة الإنترنت


تجربتي الكتابية تقترب من ٤٠ سنة بدأت في صحف الحائط المدرسية ومجلات الأندية والجمعيات الثقافية وصولاً إلى المجلات الأسبوعية والصحف اليومية. لكن تجربتي كمدون هي عام وثلاثة أشهر. المتفائلون يقولون بأن الفرق بين الكتابتين كبير، فأنت في الإنترنت لا تواجه المحرمات والممنوعات والخطوط الحمر بخلاف الكتابة الصحافية التي، في سياقنا العربي، هي مشي دائم في حقل ألغام. وهو الشيء الذي يجعلك تمشي متعرجاً في خطوط عوجاء والنتيجة كتابة رمادية عوجاء يسيرها الخوف من إغضاب الرقيب.
هل هذا يعني أن الكتابة، كتابتي في الإنترنت حرة طليقة؟ بالطبع لا لأكثر من سبب، فمن يعرج طول عمره لا يستطيع أن يسير في خط مستقيم في سنة وثلاثة أشهر. لكن حتى الإنترنت نفسها تملك عرجها واعوجاجها. فالضوابط التي بدأ الأميركيون والأوروبيون في فرضها على أقلامنا أيضاً، فنحن ممنوعون على سبيل المثال من النظر بشك لتاريخ محارق اليهود على يد النازيين، وصار علينا أن نكتب عن المقاومة المسلحة لأشكال من الاحتلال بحذر لأننا يمكن أن نتهم بالترويج للإرهاب. لكن برغم كل هذه الضوابط تبقى الإنترنت أكثر حرية وبسنوات ضوئية من صحفنا وإذاعاتنا وتلفزيوناتنا. لكن يتوجب علينا أن نكتب بشكل مختلف لنستطيع أن نقطف ثمار الحرية الإلكترونية الموعودة


كاتب يعترف


ما أكثر الأسئلة! وما أقل الأجوبة!
كيف نجعل الأشجار تقهر المقاولين؟ كيف ننسج أدباً ينصر المهزومين؟ العامية تضج في الشارع والسينما والتلفزيون ، لكننا نتجاهلها لصالح فصحى لا نتحدث بها... فقط نشاهدها بأعيننا على الورق? كيف ننتصر لفصحى دون أن يغيب عنا أن الواقع عامي؟ أخفقت كروائي في اقتحام حصن المحرّمات الجنسية ، الذي كان أدباؤنا القدماء يجولون فيه بكل حرية ويرصدون من داخله حقيقة إنسانية عميقة في دلالاتها: كـ "منبع للبهجة (أبو نواس)، فعل عاطفي حميم (امرؤ القيس)، خيانة (شهريار) ..." فشلت في رصد هذه اللحظة الحرجة التي تتصادم عندها نظم المال والسياسة والأخلاق، وآثرت أن أخضع لطهرانية آمنة تتعامل مع الإنسان بأبعاده كافة، إلا بُعد الأبعاد نفسه: ككائن متجزئ فيزيائياً يلتمس في لحظة الالتحام الجسدي لا إطلاق شرارة وجود إنساني جديد وحسب، بل وصل الحبل السري الذي انقطع لحظة الولادة. لماذا انصعت لنظام خطاب منزوع السلاح إزاء الجسد؟ هل أرهبني مقص الرقيب أو غضب المجتمع؟ أم هو حياء الإنسان أن يُرى عارياً؟... أم هو الرعب من الابتذال الذي يتهدد كل معالجة للجسد؟ كمثل باقي جيلي تعلمت اللغة العربية أساساً في المدرسة كلغة مكتوبة وليس كلغة تخاطب. وكمثل غيري خضعت طيلة السنوات الثلاثين الأولى من حياتي للتقاليد البلاغية المتوارثة منذ العهد الذهبي للغة العربية في العصر العباسي، ولذلك بدأت ككاتب ملتزم بذلك التراث, مفتوناً بالصنعة اللفظية، أعظّم الكناية وأبجّل السجع، يعجبني الطباق ويسحرني الجناس، وأرى في الإطناب فضيلة. وهي أساليب ربما يكون بعضها أكثر مواءمة للشعر ولكنها لا تمثل بالنسبة للرواية على أحسن الأحوال الأهمية نفسها بل والتي تمتلك القدرة على تشويه الفن الروائي بسهولة إن هي تم توظيفها بكثرة. وفي الحقيقة فإن الرواية العربية نفسها تنوء بثقل هذه اللغة الشديدة المزخرفة حتى عند العديد من كبار روائيينا... وتطلب الأمر مني جهداً كبيراً وهدراً ليس قليلاً في الوقت, لأعيد تعلم الكتابة بلغة أحرص أن أبعد الزينة عنها، لغة أكثر قرباً للأميين الذين حتى وإن عجزوا عن القراءة إلا أنهم يفهمون الراديو ويتجاوبون مع التلفزيون... لغة قريبة للأطفال والصبية الذين يدرسون مفرداتنا الوعرة ونحونا المعقد ويواجهونهما بالبغض الصامت. حاولت لكنني عجزت عن الكتابة بالعامية، لأنني ملتزم سياسياً بفصحى آمل أن يتحدث بها أبناؤنا وأحفادنا في مستقبل الأيام... ومحصلة هذه المساومة أن الروائي في داخلي مقموع من السياسي. فوق هذا كان هناك اكتشاف كبير انتظرني وأنا أحاول تلمس الطريق في هذه العتمة، إن اللغة ليست شيئاً محايداً بل هي علاقات سلطة نخضع عبرها لحكام غير مرئيين ودون أن يستخدموا أي سلاح أو أن يفرضوا علينا أي رقيب. حاولت في "مزون" أن استخدم لغة تختلف عن تلك التي استخدمتها في "دائماً يحدث في الليل"، لكن يجب أن أعترف بأني أبعد أن أكون قد تحررت من نظام السلطة الجاثم في نسيج اللغة. فاللغة ليست محايدة أبداً، ليست ألفاظاً وتعابير أتوهم أنني قادر أن أغرف منها ما أشاء لأعبر عن معنى ما يواتيني. اكتشفت أن المفردات كائنات يمكن أن تكون موتورة وحاقدة. حين نقول هذه سنة سوداء فالتحيز مزدوج ، فمع العنصرية المعلنة في اللون هناك عنصرية مستترة ضد النساء. فالعرب قبل الإسلام توظف مفردة العام في سياق إيجابي متفائل، وسنّه في سياق سلبي متشائم. وربما لا يكون الأمر مستغرباً لشعوب تئد البنات فيزيائياً أن تغتالهم معنوياً. وحينما أقرأ كتب التراث وصحافتنا اليومية أتفاجأ بطوفان التحيزات المضادة لنا عرقياً أو طائفياً أو مذهبياً أو طبقياً. وإذا نحن عذرنا الأقدمين كيف نعذر المحدثين؟ وفي عصر حديث تحكم أغلب الشعوب نفسها ديمقراطياً، لا نزال نوظف في لغتنا تلك المفردات الهجائية... العوام، الدهماء، السوقة... لا نزال في الحقيقة، ودون أن ندري، نشتم أنفسنا لحساب نخب متجردة من كل أسباب الوجود الأخلاقية أو حتى من المقدرة على تسيير شؤوننا السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية ضمن الحدود الدنيا، فلا ساستنا يحرسون الحدود، ولا تجارنا يوفرون الخبز. ونحن الكتاب نعجز أن نعقّم مفرداتنا، وأن نفصل بينها والتحيّزات المسبقة والكراهيات المبطنة ضد الأفراد والجماعات الذين يجب أن نصطف معهم، وأن نولد لغة مختلفة وبتحيزات أخلاقية ضد الأفراد والجماعات التي تنتهك كرامتنا. وأعترف أخيراًً: أتذكر وأنا صغير أثناء عودتي بحراً إلى دبي من محل الدراسة في قطر، أنني كنت أشاهد لساعات عدة من ظهر السفينة شاطئ منطقة الجميرا في دبي، الممتلئ بغابات النخيل وكثبان الرمل... وقد شاهدت بعينيّ كيف اجتث المقاولون بشكل منهجي الأشجار، وكيف جرفوا الكثبان؟. حاولت في "مزون" أن أكتب رواية خضراء (أيكولوجية) تنتصر للزرع والرمل والجنادب... رواية يطغى فيها حفيف الأشجار على ضجيج التراكتورات. ولما قرأت ما كتب عن "مزون" وحين سمعت انطباعات قرائها لم أستطع أن أتبين أحداً استطاع أن يصغي للأشجار والتلال القتيلة، ولست ألوم إلا نفسي على ذلك. فقد عجزت عن منح صوت لمن فقد صوته, أو أن الصوت جاء خافتاً لا يسمعه أحد. فأنا لم أستطع ردم الفجوة بين أدب يسعى لأن يلتزم وبين سرد يوفي القضية حقها الفني. * تم عرض الشهادة, ببعض الاختلاف في ندوة الرواية الإماراتية المنعقدة في الشارقة بديسمبر2002 برعاية الدائرة الثقافية بالشارقة.



كاتب كاتم للصوت


التسلط على عقولنا ليس حكراً على النظم السياسية ، هناك أيضاً تسلط لا يقل خطراً يمارسه حملة الأقلام. فقد هاجم الكاتب المصري فهمي هويدي قبل مدة في عموده المتداول في أكثر من صحيفة عربية 55 مثقفاً فلسطينياً لأنهم استنكروا قتل المدنيين الإسرائيليين , واعتبروا ما أسموه عمليات انتحارية أنها تعمق من مشاعر الكراهية وتقوض فرص التعايش وإقامة السلام بين الشعبين. وجاء استنكارهم في صحيفة القدس الصادرة في الأراضي المحتلة. وارتكز هجوم هويدي على المثقفين الفلسطينيين الذين كانت بينهم شخصيات معروفة , كحنان عشراوي وسري نسيبة , على أن مضمون ندائهم يسيئ إلى شرعية النضال الفلسطيني , وأنه يقدم مبرراً لشارون وحكومته لتأكيد ما يدعون أنه حق لهم في الدفاع عن مواطنيهم. وهويدي غاضب على هؤلاء المثقفين لأنهم يسمون العمليات الاستشهادية انتحارية , ويرى أن ذلك يمثل تحقيراً من شأن الشهداء وضناً عليهم بوصف الشهادة ، وأنهم بذلك اختاروا أن يقفوا في صفوف الناقدين والمنكرين (وهو موقع يشين أي مثقف شريف ويفقده شرعيته) بحسب تعبيره. كما يرفض هويدي وصف : (المدنيون الإسرائيليون) ويرى أنه تعبير مكذوب ومخادع لأن هؤلاء يتحولون إلى قاتلين في لحظة زمن ، ثم أن أغلبهم أعطوا أصواتهم لشارون كي يواصل سياسة قمع الفلسطينيين وسحقهم. وانتهى في مقاله إلى اتهام هؤلاء المثقفين بأنّهم يقفون بموقفهم من الناحية العملية في صف إجهاض الحلم الفلسطيني ، حتى وإن لم يقصدوا ذلك ولم يرغبوا فيه (وذلك لعمري مصير بائس لا يتمناه المرء لمثقف شريف ، حتى وإن هانت عزيمته) ويدعو هويدي في آخر مقالته بالعنوان الّذي سطر به مقالته: (ليتهم سكتوا ، وخدموا القضية بصمتهم)! تمثل مقالة هويدي عينة ، وإن كانت صارخة ، لمواد كتابية تمتلئ بها الصحف العربية , وينبري عبرها الكتاب لمناقشة قضايانا المصيرية بشكل اتهامي يشكك في الآخر ويصمه بأسوأ النعوت. والمأساوي في مقالة هويدي أنه لم يكلف نفسه مشقة التوقف للحظة في المقال , وتحليل السبب الذي يدفع 55 شخصية فلسطينية تعيش تحت الاحتلال عقوداً عديدة وترى الموت والدمار والإهانة اليومية التي تعصف بمجتمعها في صراع غير متكافئ... لا يسأل كيف تسنى لهؤلاء الفلسطينيين أن يتخذوا موقفهم الذي اتخذوه ، وهو لا يشك أبداً في أنه ربما كان عاجزاً عن تلمس معطيات على الأرض في وضع الاحتلال نفسه تجعله يفهم الدوافع وراء موقفهم، حتى وإن لم يعن ذلك أن يتفق معهم ... لكن بدلاً من ذلك قام السيد هويدي ، من القاهرة وليس من القدس بتقديم محاضرة عن النضال لـ 55 شخصية فلسطينية يرى أنها لا تعرف النضال أو هي لم تستخلص دروسه الصحيحة. هذه العينة من الكتابة شائعة في صحفنا العربية لأنها سهلة ، فبدلاً من أن أفند حجج الآخرين وأقدم براهيني التي تعزز رأيي، وهو جهد شاق للغاية ، أكتفي بأن أصعد جبلاً عالياً ومن فوقه أقدم موقفي كما هو دون إثبات ودون حجة. لماذا ؟ لأنني أرفض أصلاً فكرة أنني قد أكون مخطئاً. من السهل أن أقدم مواعظ ومواقف وآراء مغلفة على أنها حقائق خالدة من أن أجدد كل يوم إثباتاتي وحججي. بعد ذلك تأتي الخطوة الثانية: فكل رأي مختلف عني هو شي يمس المقدسات ، دينية أو قومية ، أو شخصية ? ولهذا ما أسهل أن نشتم الآخرين ونتهمهم في ضميرهم ? الذي كلف هويدي أن يصف 55 مثقفاً فلسطينياً إلى جانب شارون هو قطرات من الحبر وثوان لإرسال المقالة بالفاكس ... ولا أكثر. وفي النهاية وبعد مقالة الجبل هذه تأتي الخاتمة العجيبة التي جعلها عنواناً بقدر ما هو مثير بقدر ما هو عنيف: ليتهم خدموا القضية بسكوتهم ! ولأننا تعودنا على وزارات الإعلام وهي تكمم أفواه المثقفين , فحينما يدعو كاتب أيضاَ لتكميم الأفواه لا نرى أحداً يحتج أو يغضب أو يكرر قول فوليتر السائر: قد اختلف معك في الرأي لكنني مستعد لأموت لتستخدم حقك في التعبير عنه. لكنني أستدرك عن لوم السيد هويدي فهو لم يبلغ به الشطط بعد ليكفر الـ 55 مثقفاً فلسطينياً وليهدر دمهم كما تفعل بعض المؤسسات والأفراد تحت أعذار دينية ما أنزل اللّه بها من سلطان... نعم. كان الوضع يمكن أن يكون أكثر سوءاً.



فواكه السياسة والقنفذ المسكين


التجريد اسلوب كتابة فرضه أرسطو على العالم قبل ألفي سنة ارتكب ارسطو جريمة في فنون الكتابة ظل يمارسها كل من أتى بعده باستثناءات قليلة (نيتشه على سبيل المثال). في بحثه عن الوضوح في الفكر والتسلسل المنطقي قام الفيلسوف اليوناني بالتمرد على فنون الكتابة التي مارسها أستاذه أفلاطون, تلك تقدم الفلسفة في قوالب الأدب والصور والأمثلة والحكايات والأساطير.
في السبت الماضي، في نهار مشمس في مدينة لندن، التقت مجموعة من الاختصاصيين الأكاديميين في كلية بيركبك لتتجاذب الرأي حول التحولات الراهنة في لبنان وسوريا وإيران. وقد بدأت الندوة بشكل اعتيادي بارد وصفي وتحليلي. لكن أحد المشاركين استحضر صورة أطلقها أحد أفراد الإدارة الأميركية لسورية، حيث وصفها بأنها باتت فاكهة في متناول اليد. وقد شجعت الصورة الباحثين في داخل القاعة الجامعية الباردة للمزيد من الصور والتشبيهات التي تختزل أوضاعاً ما بلغة موجزة، أو بتكثيف ينقل المعنى لمستوى عقلي مختلف. خلع الاختصاصيون وقارهم وباتوا يتحدثون من دون رقيب لغوي. ولم يتوقف الأمر عند البلاغة اللغوية، فامتد للحكايات والقصص ورصد العثرات التي تفضح عالم السياسة كعالم كثيراً ما يشكله المغرورون الذين لا يدركون ما يفعلونه. ونتيجة تأديب لغة السياسة، فإن الاقتراب من فهم الظاهرة قيد الدرس قد يكون أكبر، وقد يساعد أكثر قبل القفز العجول لوضع الحلول والعلاجات، وهو ما نرى الكتاب خصوصا في صفحات الرأي لا يخافون من الإقدام عليه، من دون أن يكونوا بالضرورة قد أوفوا التشخيص حقه. من المهم ونحن نستعرض بعض الصور التي أطلقت في ندوة لندن، أن لا نتوقف عند الطرافة ونحاول التجاوب مع عملية الاختزال والتكثيف، بما يحملانهما من تعميق لفهم الحالة، أكثر من مجرد بعث الابتسامة على الوجوه. استحضر باحث مشارك في الندوة قولاً للزعيم السوفييتي جوزف ستالين، رد فيه على سؤال حول ما يتوجب القيام به في الداخل الإيراني، للمحافظة على مصالح الاتحاد السوفييتي فكان جوابه: إيران تفاحة ساقطة لا محالة، وليس علينا أن نفعل شيئا للتعجيل بذلك، علينا فقط أن نكون قريبين في الجوار لنلتقطها. بهذا التشبيه اختزل ستالين حالة تتكرر باستمرار في العلاقات الدولية، وتعود ربما لتشبيه دام طويلا في الأدبيات السياسية أطلق لوصف الدولة العثمانية في المائة سنة الأخيرة قبل سقوطها: «رجل أوروبا المريض»، والصورة تنطق بحالة الطامعين في تركة الرجل المريض: أنت ترغب في ممتلكاته لكنك لست مضطراً لتزهق روحه لتستحوذ عليها، عليك فقط أن تنتظر وهي ستأتي لك بنفسها. هذه حكمة عملية ينتجها رجال السياسة في معترك الصراع مع خصومهم. 
 في آخر النهار اللندني تذكر باحث قول رئيس سوفييتي آخر هو خروتشوف، معلقاً على إرسال الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية لكوبا: لقد وضعنا قنفذاً في سروال أميركا!. لكن للأسف نجد بعد نصف قرن أن من يعاني من وطأة السروال هو القنفذ المسكين الذي راح ضحية صراع الكبار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

العارض المكسيكي في الخليج العربي

”المكسيك بائسة, فهي بعيدة عن الله وقريبة من الولايات المتحدة“. هكذا لخص رئيس المكسيك بورفيريو دياز موري (١٨٣٠-١٩١٥) علاق...