حرية القول

من يقارن ماضي منطقة الخليج والجزيرة وواقعها الراهن يواجه بمفارقة غريبة· فمن جهة هناك تراث تاريخي يسوق الادلة على ان العلاقات الحرة بين افراد المجتمع العربي كانت هي القاعدة، وان غياب هذه الحرية كان هو الاستثناء على مر العصور· والشق الآخر من المفارقة يمكن ان نراه الآن امامنا بوضوح، فعلاقات التسلط وغياب الحرية هي القاعدة السائدة، وممارسة الحرية هي الاستثناء، بل وفي هذه الآونة بالذات قاعدة غياب الحرية مطلقة الهيمنة في كل شبر من المنطقة·
لكن الاستيعاب الحقيقي لهذه المفارقة لا يتأتى الا من خلال القاء الضوء على بعض ملامح الحرية في تراث اهل هذه المنطقة، خصوصا وانه لا يوجد اي بحث علمي لهذا الوجه المضيء من تاريخ امتنا العربية· نعم لقد رأينا اهتماما كبيرا بدراسة قضية الحرية من وجهها الميتافيزيقي عند علماء وفلاسفة المسلمين والتي مثلها الصراع الفكري والسياسي بين المعتزلة وخصومهم وبالذات حول قضية الانسان، مخير هو ام مسير وما شاكل ذلك، بل وقد وجدنا المستشرق الاميركي فرانز روزنتال، في دراسته لمفهوم الحرية في الاسلام يستبعد التراث الحر للبدو من ظاهرة اعطاء المجتمع الاسلامي قيمة عظيمة للاستقلالية وذلك بقوله :
(اما حب البدو المشهور للاستقلالية في شكلها غير المتطور فلم يسهم الا مساهمة ضئيلة في فهم المسألة التي نعرض لها هنا) (1)·
وكأن المجتمع الاسلامي قطع فجأة جذوره التاريخية مع ثقافته وانماط سلوكه العربية التي ظلت سائدة في مناطق مختلفة من الجزيرة العربية حتى وقت قريب جدا·
ولكن لماذا اخترنا حرية القول دون الوان الحرية الاخرى، هناك مثلا حرية التجارة وحرية الاجتماع وحرية الاعتقاد وحرية الكتابة· بشيء من التأمل يتضح ان حرية القول هي في الحقيقة الوجه الملموس ، المسموع لحرية الاعتقاد والرأي·
فلا معنى لأعطاء حرية الاعتقاد ان كان هذا المعتقد عاجزا عن ترجمة ذاته واظهارها لمن حوله، كما ان حرية الكتابة ما هي الا حرية القول مسجلا على الورق· اذن حرية القول تتضمن حرية الاعتقاد، وحرية الفكر وحرية الكتابة وحرية الصحافة والنشر·
وسبب تركيزنا على حرية القول دون الحريات الاخرى هو ان حرية القول اذا ما شاعت في مجتمع ما فأنها تهيء المناخ لوجود الحريات الاخرى، واذا ما اختفت الحريات الاخرى واستمرت حرية القول فإنها قوة فعالة لاستعادة الحريات الغائبة· ويؤثر عن المفكر الانكليزي شريدان قوله :

(خير لنا ان نكون دون برلمان من ان نكون بلا حرية صحافة، الافضل ان نحرم من حق اختيار وزرائنا ومن حريتنا الشخصية، ومن حق التصويت على فرض الضرائب ، على ان نحرم من حرية الصحافة ، ذلك انه يمكن لهذه الحرية وحدها ، ان عاجلا او اجلا ان تعيد كل الحريات الاخرى) (2)·
وفي القرن العشرين لم يكن هناك مثل درامي لفعالية حرية الصحافة مثل عملية عزل الرئيس الاميركي نيكسون والتي كان لحرية الصحافة الدور الاساسي، ليس في فضح ووترغيت فحسب بل واهم من ذلك، في اذكاء جذوة الفضيحة كلما اوشك نيكسون على طمس اثارها عن طريق الصفقات السياسية مع اعضاء الكونغرس وعن طريق تخدير الرأي العام الاميركي بسلسلة بارعة من الاكاذيب التي جعلته يوشك على الافلات من تبعة جريمة اقتحام مبنى الووترغيت وجريمة محاولة تغطيتها لتضليل القانون·(3)·
لهذا القول في المجتمع العربي مؤشر صحيح لقياس قضية الحرية على مر التاريخ·
شرائع العرب من المتجردة الى ابي ذر
من الحقائق العلمية غير المعروفة لدى الكثيرين هي انه في القرن التاسع عشر اكتشفت نقوش عربية قديمة في جنوب الجزيرة العربية يرجع تاريخ بعضها الى القرن السابع قبل الميلاد، وهي تشكل في اسبقية التجربة الديمقراطية لدى الاغريق·
وفي كتاب تاريخ العرب لمؤلفيه فيليب حتي، وادوار جرجي، وجبرائيل جبور يذكر المؤلفين عن هذه النقوش الآتي:
(وهنالك بضع وثائق شرعية هامة تنم عن تطوير ورقي في الحياة الدستورية ، فشريعة حمورابي وشريعة موسى نزلتا من فوق وليست شرائع الحثيين الا مراسيم اصدرها ملوك مسيطرون· اما شرائع عرب الجنوب فتمتاز بصفات النضج الشرعي والبلوغ السياسي وتدل على نظام تلوح من خلاله اوضاع الحكم النيابي، وربما لم يكن في آثار القدم السحيقة ما يدانيها رقيا) (4)·
هذا عن الجنوب، اما عن المناطق الشمالية من الجزيرة فيذكر المؤلفون دلالة على ما تمتع به العرب من حرية، وعدم قبولهم للتسلط السياسي، حملة الملك الاشوري سرجون الثاني في القرن السابع قبل الميلاد والذي ذكر في السنة السابعة لملكه اخضع اقواما من جملتهم قبائل ثمود واباديد، كانوا على حد قوله - قول الملك سرجون الثاني - (يسكنون البادية ولا يعترفون بكبير او صغير من الحكام) وذكر انه نكل بهم تنكيلا ونفى بقاياهم الى السامرة · (5)·
وبعد حوالي اربعمائة سنة من هذه الرواية، يذكر كتاب تاريخ العرب : ان كلمة المصنفين اليونان والرومان، اجمعت على ان بلاد العرب بلاد ثروة ورخاء عجيبين، وانها موطن اللبان والظيوب الاخرى وان اهلها يحبون الحرية ويتمتعون بها كل التمتع· والحق ان هذه المزية الاخيرة هي التي لفتت انظار الكتاب الغربيين· فالاستقلال الذي تميز به الشعب العربي اصبح مضرب المثل وموضع المدح والاعجاب عند المؤلفين الاوروبيين من ابعد العصور حتى ايام امؤرخ الانكليزي غبن ···(6)·
من هذه الخلفية العامة لسيادة الحرية في المجتمع العربي القديم ننتقل الى حرية القول بالذات دون غيرها من الحريات·
اقدم رموز حرية القول المسجل في تاريخنا العربي نجدها متعلقة بالشاعر الجاهلي النابغة الذبياني والذي كان مقربا لدى النعمان بن المنذر ملك الحيرة· وكان من ندمائه واهل انسه ، مما اسقط الكلفة بينهما فكان النابغة يدخل منزل النعمان ويخرج منه بحرية متناهية· وفي احد الايام رأى زوجة النعمان المسماة ( المتجردة) وقد سقط خمارها عنها، فقام النابغة بوصف جسدها بلغة مكشوفة لا مثيل لها في الادب العربي اطلاقا وذلك في قصيدته الدالية التي يقول مطلعها :
أمن آل مية رائح، او مغتد عجلان، ذا زاد وغير مزود
ومن المشكوك فيه ان هذا الامر كان ليغضب النعمان لولا وقيعة حساد النابغة، لكن مودتهما عادت على اية حال بعد سنوات قليلة· وقد جاء الاسلام الى العرب ودعم قضية حرية القول، ويمكن الاستشهاد بعشرات من الحجج المستقاة من القرآن الكريم والسنة النبوية، والتي تصب في مجرى ترسيخ حرية القول· فعلى سبيل المثال هناك الدعوة لأسلوب الحوار والمجادلة بالحسنى بين المسلمين والمشركين، وهناك مفهوم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر· بالاضافة لهذا فأنه لا يحل للمسلم ان يمتنع عن اسداء النصح والنقد تهيبا من الحاكم او خوفا منه· فرسول الله (ص) يقول :(الا لا يمنعن رجلا هيبة احد ان يقول بحق اذا علمه)·
واذا كانت النصيحة واجبة للحاكم العادل فهي للحاكم الظالم اوجب· فالرسول يقول: (خير الشهداء حمزة ثم رجل قال كلمة الحق امام سلطان جائر فقتله)·
وحينما تولى ابو بكر الصديق رضي الله عنه خلافة المسلمين دعم حرية الرأي ، وقد اعلن في خطبة توليه الخلافة: ايها الناس، اني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فأن رأيتموني على حق فأعينوني وان رأيتموني على باطل فسددوني، اطيعوني ما اطعت الله ورسوله، فأن عصيت فلا طاعة لي عليكم·
ثم جاء بعده الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وحافظ على تقاليد حرية التعبير، بل اخذت هذه التقاليد مظهرا لامعا في عهده عندما هدده احد الاعراب بأن المسلمين سوف يقومونه بالسيف ان هو انحرف عن تأدية واجباته· مثل هذا التهديد الشفوي بالقتل نموذج صارخ على مدى انتشار حرية القول في المجتمع المسلم·
وفي عهد عمر ظهر احد اظرف شعراء اللغة العربية واشدهم قوة في توسيع دائرة حرية الكلمة، الا وهو جرول بن اوس الملقب بالحطيئة، وقد اكتسبت الكلمة في شعره عنفا في الهجوم وفحشا في السباب، بل وقد اشتهر كمختص في الهجاء·
ودون شك لو ان الحطيئة كان يعيش في عصرنا هذا لظل باستمرار رهين السجن والمحاكمات بتهم التشهير والقذف والسباب، وبنظرة الى ضحاياه نجد انه لم يفلت احد من لسانه السليط، وقد هجا اباه وامه وخاله وعمه وزوجته··· بل وقد هجا نفسه·
كما اشتهر بهجو ضيوفه بسبب فقره وبخله، والحادثة الوحيدة التي تروي حالة الاذى والتي ادت به الى السجن كانت بسبب هجائه للزبرقان الذي شكاه لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ذاكرا البيت :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فأنك انت الطاعم الكاسي
فقال له عمر : ما اراه هجاك، اما ترضى ان تكون طاعما كاسيا· فقال : يا امير المؤمنين : انه لا يكون هجاء اشد من هذا· فبعث عمر الى حسان بن ثابت فأكد له ذلك، عندئذ حبسه عمر وقال : يا خبيث لأشغلنك عن اعراض المسلمين··· لكنه اطلق بعد فترة من سجنه·
وقد اشارت حادثة الحطيئة الى التغير الذي بدأ يطرأ على شريحة واسعة من المجتمع العربي الناشىء وهو يتحول من البداوة الى المدنية بمؤسساتها القضائية والادارية· ولقد واجه الحطيئة نظرة جديدة الى اقواله، فهو قد ارتكب ما تعتبره الشريعة الاسلامية جرما بحق المجتمع· لكن حرية التعبير كانت تمارس على مدى واسع باستثناء هذه الضوابط التي فرضتها الشريعة كقيود القذف والتجديف والسباب· وفي عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ظهرت اولى بوادر الخطر على ممارسة هذه الحرية، وقد تجسدت في الصحابي الجليل ابي ذر الغفاري الذي كان يفتي الناس ويتحدث بعنف ضد مظاهر الترف والتفاوت الاجتماعي ، تلك المظاهر التي بدأت تشوه الوجه التكافلي للامة المسلمة في عهد الرسول وابي بكر وعمر·
واخذت اقوال ابي ذر ومواقفه تخيف المنتفعين من الوضع الجديد، فرفع الى الخليفة العديد من الشكاوى ضده مما دفع عثمان الى اصدار امر لأبي ذر بالامتناع عن الجلوس للفتوى بين الناس· لكن ابا ذر عصى الامر واستمر في عقد مجالسه الانتقادية ، مما ادى به الى ان ينفي عن المدينة مرتين (7)·
على الصعيد الاقتصادي ، نشاهد في فترة حكم الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين تحولا جذريا يطرأ على اسلوب الانتاج· فقد تركت فئة كبيرة من العرب اسلوب الرعي، وما صاحبه من تنقل مستمر بحثا عن المرعى، الى الارتباط بالارض لممارسة الزراعة والحرف الصناعية البدائية، والاغراض التجارية، وظهرت فئات جديدة في هذا المجتمع فرضها تقسيم العمل· لقد بدأ الاقتصاد يأخذ طابعا اقطاعيا·
لكن العقيدة الاسلامية وتشريعاتها الاجتماعية والاقتصادية اخذت تقلم اظافر قوى الاقطاع الناشئة وتروضها من خلال وسائل تشريعية، وانماط سلوكية رأينا عمر يسجلها بصورة فائقة·

كأن امامنا ههنا واقعا حيا لمجتمع العدالة الاجتماعية والكفاية الذي طالما اشتاق اليه المصلحون والفلاسفة··· لكن هذا الحلم الذي لا يزال يدغدغ مخيلة كل مسلم حتى يومنا هذا، تحطم تحت انحرافات بني امية وتحويلهم الحكم الى نظام وراثي، وتحويل الاقتصاد الى وجهة اقطاعية عارية·
القمع والقرابين في مدن الحرية و···· العبودية
وفي عهد بني امية الذين وسموا السلطة بطابع القمع والاستبداد تم تقديم اول قرابين حرية الفكر وذلك في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك الذي قام بقتل اول شهداء المعتزلة وهو الجعد بن درهم بسبب اعلانه ايمانه بمقولة خلق القرآن وتلاه غيلان الدمشقي الذي كان من الوعاظ والكتاب والخطباء المفوهين، وكان صاحب مدرسة فقهية سميت (الغيلانية) نادت بالانسان حرا مختارا في تصرفاته وصانعا لافعاله· وكان غيلان من اوائل من اظهروا هذا الرأي واعلنوه في ظل الدولة الاموية، وقامت الغيلانية بنشاط سياسي مهم ضد الامويين وفي عاصمتهم دمشق بالذات التي كان يسكنها غيلان·
ولقد استعان به الخليفة عمر بن عبد العزيز في تصفية الاموال التي صادرها من اسرته الاموية وردها لبيت مال المسلمين، وحول غيلان المزاد العلني للثروات المصادرة الى ما يشبه المظاهرة السياسية ضد الامويين، حيث وقف ينادي جماهير الناس ويقول لهم : تعالوا الى متاع الخونة··· تعالوا الى متاع الظلمة··· تعالوا الى متاع من خلف الرسول في امته بغير سنته وسيرته·
وقد وصلت هذه الكلمات العنيفة الى مسامع هشام بن عبد الملك ، ولذلك فبعد توليه الخلافة بعد موت عمر بن عبد العزيز قام باعتقال غيلان وصاحب له، ثم احضر هشام لغيلان الشيخ الاوزاعي كي يناظره ويصدر فتوى اعدامه· وكان له ما دبر واراد· وعلى (باب كيسان) بمدينة دمشق صلب غيلان الدمشقي وصاحبه صالح، ثم قطعوا اولا ايديهما، ثم ثنوا بقطع ارجلهما··· وقد مات اولا صاحب غيلان من العطش، اما غيلان نفسه فقد استدار نحو الجمهور الملتف حوله، واخذ يعظه ويحرضه ضد بني امية·
ويبدو ان بعضا من الذين حضروا ذلك المشهد الفريد في بشاعته اخذته الشفقة على غيلان، فخشي هشام النتائج، وامر بقطع لسانه· وقد مات غيلان بعد ذلك بقليل·
وبهذه الجرائم دخل تاريخ الحرية، حرية القول، عند المجتمع الاسلامي والعربي اسوأ مراحله·
وبعد انهيار العهد الاموي وظهور الخلافة العباسية لم يتغير حال الحرية· فها هما الخليفتان المهدي والهادي يصلبان عددا من الزنادقة حسبما ادعيا، وها هو الامام احمد بن حنبل يتعرض للارهاب الفكري في محنته الشهيرة· فقد حاول الخليفة العباسي المأمون اجباره على الاعلان عن تأييده لنظرية المعتزلة في خلق القرآن ، لكن الامام رفض فأمر المأمون باشخاصه مكبلا في الاغلال، هو ورفيقه في المحنة محمد بن نوح، وقد ظل الامام رهن الاعتقال بعد الوفاة المفاجئة للمأمون·
ولما ولي الخليفة المعتصم امر بضرب الامام احمد بن حنبل امامه، ثم اتى له بفقهاء وقضاة المعتزلة ففشلوا في اقناعه بعد ان قام الخليفة باجراء مسابقة بين الجلادين لقتل الامام بالسياط الموجعة، لكنه وقع مغشيا عليه، ثم بعد ان افاق اودع في السجن، وقد استمر سجنه لسنتين ونصف السنة منذ بداية المحنة· وعندما تولى الواثق الحكم بعد المعتصم امر بتحديد اقامة الامام احمد، لكنه امر ايضا بتعميم المحنة على جميع افراد المسلمين، فلم يبق احد من فقيه ولا محدث ولا مؤذن ولا معلم اخذ بالمحنة، فهرب الكثير من الناس، وملئت السجون، ومنع الفقهاء من اصحاب مالك والشافعي من الجلوس في المساجد· ولم تنفرج موجة الارهاب الفكري هذه حتى تولى الخليفة المتوكل وكان من غير المؤمنين بفكر المعتزلة، فتغير حال الناس·(9)
وبعد قليل بدأت مرحلة مضادة من الارهاب حيث اضطهد المعتزلة واحرقت كتبهم···
اشارت محنة ابن حنبل بوضوح الى التغير الهائل الذي حدث ليس فقط عند السلطة بل حتى عند الناس، لقد فقدوا شعور الاستقلالية الذي كان عليه اجدادهم، واصبحوا مستبعدين عقليا للمتغيرات الاقتصادية والمؤثرات الثقافية، فحياة الحرية العربية ارتبطت بنوع من النتاج الاقتصادي مختلف عما اصبحوا عليه· لقد دخلوا في طور الاقطاع مع كل اسقاطاته الايديولوجية، كما ان دخول شعوب جديدة الى الاسلام من غير العرب اضاف الى سمات التبعية والانقياد للسلطة، واصبح لسان حال الشعوب المسلمة “من يتزوج امي يصبح عمي”·
··· وتتابع ضحايا حرية الفكر، فها هو الحلاج يقتل بسبب تصوفه وها هو الفيلسوف الاندلسي ابن رشد تحرق كتبه ويرسل الى المنفى· وفيما عدا ظهور العز بن عبد السلام يكاد الانسان لا يرى في تاريخ الامة في تلك الحقبة السوداء الا الارهاب المطبق·
ومن اخبار مواجهات العز مع السلطة تروي كتب التاريخ حادثة له مع السلطان الصالح نجم الدين ايوب· ففي احد الايام صعد العز الى القلعة حيث السلطان قد تبدى في زينته وعظمته فشاهد العسكر مصطفين بين يديه والامراء يقبلون الارض تحت قدميه، فقرر العز ان يحطم هذه الكبرياء فالتفت الى السلطان وناداه بأعلى صوته :”يا ايوب، ما حجتك عند الله اذا قال لك الم ابوىء لك ملك مصر ثم تبيع الخمر··؟
فقال السلطان : هل جرى هذا؟
قال العز : نعم · الحانة الفلانية تباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات وانت تتقلب في نعمة هذه المملكة·
فقال السلطان : يا سيدي هذا انا ما عملته، هذا من زمان ابي··· اجاب العز: انت من الذين يقولون : انا وجدنا آباءنا على امة· عندئذ انقطعت حجة السلطان وتحطمت كبرياؤه· واصدر مرسوما باغلاق تلك الحانة ومنع ما فيها من منكرات، ولما سأل بعض اصدقاء الشيخ عن سر خطابه الغليظ هذا للسلطان، اجابهم : رأيته على تلك العظمة فأردت ان اهينه لئلا تكبر عليه نفسه فتؤذيه· فلما قيل له : اما خفته؟ قال: والله قد استحضرت هيبة الله تعال فصار السلطان امامي مثل القط (01) ·
هذا على صعيد واقع الدولة الاسلامية السائد في مدنها، اما الصحراء العربية فقد ظلت مبقية على الحرية الفطرية لدى القبائل التي شاءت الا تستقر ضمن المعطيات الجديدة، بل فضلت الاستمرار في نمط العيش الذي سار عليه اجدادها منذ مئات السنين·
وعلى ايه حال فان قوى جديدة للديمقراطية حاولت ان تنبعث مع المثقفين المسلمين الذين بسبب حركة الترجمة والانفتاح على حضارات الشعوب المختلفة احتكوا بالتراث السياسي الاغريقي، واتخذ مفهوم الحرية لديهم ببعدا سياسيا بمواجهتهم لمفهوم الديمقراطية الاثينية، بل ونجد فيلسوفا مثل الفارابي يعلن في كتابه (السياسات) ان اشكال الحكومات الموجودة في هذا العالم غير كاملة· انها جاءت نتيجة لحاجة الانسان للتنظيم الاجتماعي· ويدعو لايجاد مدينة الحرية··· المدينة الجماعية التي يتمتع افرادها بالحرية التامة وهي مؤسسة المساواة حيث يكون الناس احرارا في فعل ما يشاءون ولا يعترفون لأحد بالحق في ان يكون زعيما عليهم وانهم على استعداد لتسليم السلطة فقط لأولئك الذين يعدونهم بمزيد من الحرية والذين يضمنون لهم مزيدا من الفرص في تحقيق احتياجاتهم الخاصة· وخضوعهم للقيادة السياسية هو عمل طوعي تماما حيث تتوقف المدينة على ارادة المواطنين·
واعلانات مشابهة قد صدرت عن ابن سينا وابن رشد والامام الغزالي الذي حذر بشدة من مغبة تعدي الحاكم على حرية الفرد، وكان رأيه ان السلطة السياسية تشكل تحديا للحرية اعظم خطورة من العبودية المعروفة، لأن العبودية تعني امتلاك يمين العبد من قبل الجهات الاقوى اقتصاديا· اما الطغيان السياسي الذي يطلق عليه الغزالي اسم “الجاه” فهدفه الاخضاع الاداري للاحرار من قبل اولئك الذين يمتلكون السلطة، ويذكر ان هذا الاخضاع لا يعني عبودية اجسامهم فقط بل عبودية العقول والقلوب ايضا (11)·
لكن تأثيرات هؤلاء المفكرين بقيت بعيدة عن الواقع السياسي لدى الحكام ، فبالاضافة لقوة الثقافة الاقطاعية التي فرضت الخنوع والطاعة لدى المحكومين كانت حالات الغزو الاجنبي سواء من قبل التتار او الصليبيين وحالات الصراع الداخلي والاضطرابات بين اجزاء العالم الاسلامي، كل هذه القوى دفعت بالمجتمع المسلم ليعيش حالة طوارىء امنية مستمرة، ليست هي على اية حال مما يشجع اتجاهات الشورى الاسلامية او يعيد الحياة في تراث الديمقراطية الفطرية عند البدو·
وقد اجتمعت كل هذه القوى على مدى القرون التالية وافرزت نموذج الانسان المقهور الذي صار مكبلا وراء قضبان لا حصر لها من العبودية العقلية والاجتماعية والسياسية·
المحترم ··· لا يقرأ الصحف والديمقراطية تتعرض لنكسة
لقد قذف التاريخ بهذا النموذج المأساوي من اعماق عهود القهر والذل وجعله يطفو الى سطح القرن العشرين، وجعله هو النموذج السائد للمواطن المسلم والعربي، والاستثناء الوحيد حدث في العام الماضي عندما كسر الشعب الايراني حلقة القهر التي رسف فيها لقرون مديدة· ومع دخول القرن العشرين وجدنا امامنا مجتمعين اسلاميين··· الاول حضري يعيش بدرجات متفاوتة ويلات الاستبداد الاجتماعي والسياسي والنفسي، والمجتمع الثاني وهو الاقل عددا مجتمع بدوي يتكون من قبائل تجوب الصحراء بحثا عن الكلأ والماء· ويمكن رؤية سلوك نموذج الانسان الحضري المقهور مما رواه احد المثقفين العراقيين عن طبيعة المواجهة بين هذا الانسان والثقافة الاوروبية·
ففي مطلع هذا القرن عارض المجتمع حركة ترجمة النظريات الغربية بكل قوة واعتبر دارس هذه النظريات ملحدا، بل ان الجريدة التي كانت تنشر هذه الآراء ما كان بالامكان قراءتها، وكانت هذه المجلات في العراق تختفي عن الانظار ولا يمسها القارىء الا وقد غطى يديه بشيء حتى لا تمسها لأنها نجسة، وكانت قراءة الجرائد تعتبر عيبا في بعض مدن العرب على الرجل المحترم· (21)·
ومن هذا يمكن تقدير ضيق الافق الذي وصل اليه الرأي العام الحضري· اما المجتمع البدوي فقد بقيت شعلة الحرية فيه متوهجة سخية، وحرية القول على وجه الخصوص· ويروي احد الرحالة الانكليز مشاهدته لمجتمع نجد البدوي فيقول “··· وفي نجد يعيش المجتمع طبقا للنظام الذي يحكم به دعاة المثل العليا في بلادنا فلا ضرائب ولا شرطة ولا تجنيد ولا اكراه في اي شيء ··· ولا قانون مكتوب لهذا المجتمع الا رأيه العام، ولا نظام الا ما يؤمن به من معتقدات وقيم” (31)·
لقد ظل هذا المجتمع البدوي صامدا امام قوى التغيير على مر الدهور ، وحافظ على الكثير من تقاليده وعلى الاخص تقليد التعبير الحر للآراء واستطاع ان يكبح جماح نزعات التسلط عند رؤسائه· فشيخ العشيرة كما وصفه مؤلفو “تاريخ العرب” هو المسن المقدم على افراد القبيلة الذي تظهر زعامته بما يبينه من اصالة الرأي والسخاء والشجاعة· فتقدمه على اهل القبيلة مبني على كبر سنه واخلاقه الشخصية وليس الشيخ صاحب الامر المطلق في الشؤون الشرعية والحربية وخلافها، بل يفرض عليه مشاورة مجلس القبيلة الذي يتألف من زعماء البطون والافخاذ··· ويدوم تمتعه بهذا المركز ما دام ولاء القبيلة حليفه··· والعربي عموما والبدوي على التخصيص ديمقراطي النزعة وهو يعامل زعيمه الشيخ المتبوع معاملة الاكفاء والقرناء فكأن الهيئة الاجتماعية التي يعيش فيها قد ساوت بين الناس على الاطلاق، ولقد كان يجيء البدوي في ايامنا الى حضرة الملك حسين بالحجاز فيقف تحت نافذة القصر وينادي :”يا بو علي”(41)·
وفي الامارات رغم خسارتنا لكثير من المظاهر الديمقراطية البدوية الا ان مظهر السهولة التي يستقبل فيها الشيخ المواطنين ويستمع لآرائهم التي قد لا يستحسنها كثيرا لا تزال باقية، وان كانت بالطبع بصورة اقل بكثير مما كانت عليه·
وعندما تشكلت دول الخليج الجديدة نتيجة استقرار القبائل وتحولها الى المدينة وجدنا مقاومة بلغت العنف احيانا لاتجاهات التحول الى ملكيات وامارات مطلقة، وتجسدت هذه المقاومة في الحركات الاصلاحية التي نشطت في الكويت والبحرين ودبي في النصف الاول من القرن العشرين، والتي تكللت بالنجاح في الكويت بتأسيس اول برلمان خليجي منتخب وباطلاق حريات الصحافة والنشر وذلك في مطلع الستينات·
ولا شك في ان البعض من خارج المنطقة نظر الى مظاهر الديمقراطية هذه نظرة عدم تصديق وظنها نوعا من الترف الجديد الذي انعمت به الانظمة السياسية على رعاياها، والا فكيف يمكن ان تقوم ديمقراطية برلمانية تشابه الصيغ البرلمانية الغربية في مجتمعات بدائية كالكويت والبحرين، بينما هناك دول عربية عديدة اكثر تطورا لما تزل تعاني من الاستبداد والتسلط· لقد غفل هؤلاء عن الجذور التاريخية وراء قضية الديمقراطية·
ولكن الديمقراطية في الخليج بدءا من منتصف السبعينات قد تعرضت الى نكسة اليمة وذلك بحل المجلس الوطني البحراني اولا في منتصف عام 5791 ثم مجلس الامة الكويتي بعد ذلك بسنة· وضربت هذه الاجراءات جميع احلام الشعوب الخليجية الاخرى التي كانت تطمح الى نيل المكتسبات الديمقراطية نفسها·
وقد قدمت حكومتا البحرين والكويت اسبابا غير مقنعة لاجراءتهما، ففي تصريح لسمو رئيس الوزراء البحريني اعلن ان “الديمقراطية التي نريدها لدولنا هي النابعة من تقاليدنا وعاداتنا”، و”الخطأ الذي واجهته ديمقراطية البحرين انها كانت ديمقراطية مستوردة، ولم تكن ديمقراطية معايشة لاوضاعنا، ويجب ان تكون الديمقراطية من تقاليد هذه الشعوب وسلوكها ومن صميم المجتمع نفسه·
وذكر سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الكويتي اعذارا مشابهة حيث قال تبريرا لاغلاق المجلس :
“ان الديمقراطية التي ننشدها هي ديمقراطية نابعة من واقعنا منسجمة مع قيم مجتمعنا وشعبنا”·
اي بمعنى آخر ان ما مورس في الكويت على مدى اربعة عشر عاما وفي البحرين على مدى عامين كان ديمقراطية دخيلة··· ولقد مرت الاشهر والسنوات بعد هذين التصريحين، ولم يطرح اي تصور بديل للديمقراطية التي زعم انها لا تمت الى قيم المجتمع··· والاستعراض التاريخي الذي قدمناه يثبت عكس هذا الموقف تجاه قضية الديمقراطية·
لكن الاشهر الماضية حفلت بكثير من الاشارات التي تدلل على ان الانظمة الخليجية اصبحت تعي ان مصير بقائها مرتبط باطلاق الحريات ، او على الاقل حرية القول، لذلك وجدنا النظام الكويتي يعلن نيته في اعادة البرلمان في موعد لا يتجاوز الصيف المقبل، كما ان المملكة السعودية اعلنت على لسان ولي عهدها الامير فهد بن عبد العزيز اعتزامها التحول الى ملكية دستورية وتأسيس مجلس شورى ويخطىء من يتصور ان هذه نعم يمن بها نظام على شعبه، فالتفسير الحقيقي كامن في ان الشعوب الخليجية ، نظرا لتراثها البدوي لا تتقبل ان تحكم بالاسلوب السائد في العالم العربي··· وان محاولة تجاهل هذا الجانب من قبل اي نظام خليجي كفيلة بأن تعزله عن شعبه، مع كل ما في هذا العزل من اخطار الاطاحة بهذا النظام···
المصادر:
1- مفهوم الحرية في الاسلام ، فرانز روزنتال، معهد الانماء العربي، 8791 ص· 541·
2- مستشهد به في كتاب خليل صابات، الصحافو رسالة واستعداد، دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية ، ص 272·
3B. Woodwared & Carl Bernstein: The Final Days, Coronet Books, 1978, p. 233 -
4- د· فيليب حتي،د· ادوار جرجي، د· جبرائيل جبور، تاريخ العرب، دار غندور، 4791، ص 48·
5- المرجع نفسه ، ص 67
7 - محمد عماره، مسلمون ثوار، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 4791، ص 14·
8- المرجع نفسه ، ص 55-67، ايضا للمؤلف نفسه : المعتزلة ومشكلة الحرية الانسانية، الناشر نفسه، 2791، ص 571
9 - ابو عبد الله حنبل بن اسحاق بن حنبل، ذكر محنة الامام احمد بن حنبل، 7791، ص 9-31·
01 - مسلمون ثوار، ص 931
11- مفهوم الحرية في الاسلام، ص 58 - 98
21- د، يوسف عز الدين : مشكلات الشباب الفكرية والادب الحديث، محاضرات الموسم الثقافي 27/3791، ص 351 - 451·
31 - و· بلانت : التاريخ السري لاحتلال الانكليز لمصر، الترجمة العربية، ص 64·
41 - تاريخ العرب ص 75·


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

العارض المكسيكي في الخليج العربي

”المكسيك بائسة, فهي بعيدة عن الله وقريبة من الولايات المتحدة“. هكذا لخص رئيس المكسيك بورفيريو دياز موري (١٨٣٠-١٩١٥) علاق...