حق البشر



النيابة العامة: في الصندوق تفاحة فاسدة


أعلنت النيابة العامة في دبي، الأسبوع الماضي، تقديم مجموعة من المتهمين إلى القضاء، وتراوحت التهم بين الاعتداء على الأموال العامة والفساد وإساءة استغلال المنصب. المثير في الموضوع أن من بين المتهمين وزيراً سابقاً، وهو ثاني زير يحال للقضاء في أقل من عام. من المفجع أن يوجد هذا العدد من الأشخاص الذين يواجهون تهم فساد من كافة الأنواع، على الأخص أولئك الذين تربّعوا على سدة المسؤولية لفترة طويلة كوزراء ومدراء مصارف ومدراء شركات. لكن الفاجعة لا تمنعنا من أن نفخر بأننا نمتلك نظاماً قادراً على دفع هذا العدد من الأشخاص النافذين للقضاء. وجود نظام قضائي يعمل بشكل مستقل ويطبّق القانون دون استثناء مكسب أهم لنا من كل مكاسبنا الأخرى، فهذا النظام هو في النهاية ما يمنح الناس الشعور بالأمان على حياتهم ويحفظ كرامتهم ويصون ممتلكاتهم. لكن الاعتزاز بهذا المكسب يوجب علينا أن نشير إلى خطرين يعرّضان العملية القضائية للانتقاص ما لم نسارع إلى مواجهتهما. الخطر الأول يتمثل في أن ما قامت به النيابة ما هو إلا المرحلة الأولى من العملية القضائية وأن عليها أن تثبت حقاً أمام القضاء صحة التهم التي وجهتها، وإلى أن يحكم القضاء يتوجب على الجميع، خصوصاً وسائل الإعلام، أن لا تدين على صفحاتها هؤلاء المتهمين وألا تصدر عليهم الأحكام. فالإعلام ليس قضاء وسمعة الناس لا ينبغي أن تكون تسلية على صفحات الصحف. العدل لا يكتمل إلا بمعاملة المتهم كبريء طيلة مراحل التقاضي. وعندما ينطق القاضي في آخر مرحلة بالحكم نستطيع أن نتحدث عنه كمجرم أو لص أو مرتش أو مستغل نفوذ.. وللأسف فإن نظامنا القضائي فشل حتى الآن في منع محاكمة الناس على صفحات الصحف، ونتيجة لذلك فإن هذا النظام مهدد باختلالات مروّعة، لأن القضاة كبشر قد يتأثرون بما يقرأونه في الصحف ويتورطون بإصدار أحكام قد لا تمت بصلة للأدلة الموضوعة أمامهم. انطلاقاً من هذا الخطر على ميزان العدالة نص مشروع القانون الجديد لتنظيم الأنشطة الإعلامية على تغريم الإعلام على نشر أخبار عن الجرائم دون تحرّي الدقة والتأكد من صحة الوقائع، أو نشر أسماء وصور المتهمين في القضايا دون موافقة السلطة القضائية المختصة. ورغم أن النصوص القانونية الحالية تمنع قيام الإعلام باتهام الناس بالباطل وتجرّم تورط الصحافيين بلعب دور القضاة وتلفيق التهم، إلا أن النيابة العامة في دبي، وخلافاً للقانون، عرقلت في العام الماضي قضية مرفوعة على مجموعة من الصحف والكتّاب الذين مارسوا بالضبط هذا الدور: تلفيق التهم ومحاكمة الناس على صفحات الصحف أثناء تعرضها لجمعية الإمارات لحقوق الإنسان واتهام أعضاء فيها بالخيانة العظمى إضافة إلى تجريح أمانتهم المالية من دون أي إثبات. الخطر الثاني يتمثل في أن النيابة العامة وهي تضمن انصياع الجميع لحكم القانون تمنح نفسها أحيانا ميزة التصرف وكأنها فوق القانون. فالنيابة العامة وهي تحقق في الأشهر الماضية في عدد من قضايا إساءة استغلال المنصب أغمضت عينها أمام شكوى تتهم أحد العاملين فيها بإساءة استغلال منصبه. وتضمنت الشكوى التي تقدم بها مواطن يعمل في إحدى جمعيات النفع العام قيام أحد العاملين في النيابة العامة بعد خلاف في وجهات النظر مع المشتكي أثناء عملهما كإداريين في الجمعية بمحاولة الاتصال بشرطة مركز الراشدية ليحبسوه تحت حجة أنه أهانه. وكانت تدخلات الزملاء وإجباره على الاعتذار هما الشيئان الوحيدان اللذان منعا حبسه تلك الليلة. ولمن يجهل قدرة العاملين في النيابة العامة على حبس الناس يجدر التنويه بأنها قدرة احترازية محددة بالعمل العام، وليست قدرة شخصية يمتلكها الشرطي وموظف النيابة ويمارسانها كما يحلو لهما بما في ذلك إرهاب المخالفين للرأي أو تصفية الحسابات الشخصية مع الخصوم. القدرة على الحبس محددة بحماية المجتمع من الجريمة وللجم من تسوّل له نفسه الإضرار بالأفراد والممتلكات ويفترض أن لا تتم إلا بموافقات من القضاء وبضمان حق المحتجز بتعيين محام له وبالسماح له بلقاء أهله. أو لم يكن حرياً بالنيابة العامة أن تحقق في صحة الشكوى ضد موظفها وتعطيه الفرصة ليدافع عن نفسه، وترفض الشكوى لو عجز الشاكي عن إثبات صحة شكواه، أو لتطبق العقوبات التأديبية المناسبة بحق الجاني لو ثبتت صحة الشكوى؟ لكن النيابة كما ناصرت الصحافيين الذين لفّقوا التهم للجمعية برفض الدعوى القضائية ضدهم ناصرت أيضاً موظفها بتجاهل الشكوى ضده، والنتيجة أننا لا نزال نملك صحافة منفلتة من عقالها وموظفي نيابة قادرين على تهديد من يريدون دون خوف من أحد. هناك سابقتان حدثتا قبل سنوات في نيابة دبي تجدر الإشارة لهما: في الأولى قامت النيابة العامة بإيقاف وكيل نيابة عن العمل بعد أن صفع متهماً أثناء التحقيق معه، وهي سابقة تدلل على تقاليد قيّمة في المحافظة على الصورة النقية للمؤسسة كحارسة أمينة لكرامة المتهمين. لكن السابقة الثانية سيئة. فقد قام أحد وكلاء النيابة بإصدار طلب للشرطة لتحبس مقاولاً اتهمه بأنه غشّه. وللأسف فإن الشرطة ألقت القبض على المقاول والذي بسبب حبسه خضع لطلبات وكيل النيابة. بالطبع قد يكون وكيل النيابة قد تعرّض فعلاً للخداع، لكن هل من المعقول أن يصبح وكيل النيابة هو الخصم والحكم، وماذا يكون عليه الحال فيما لو أن المقاول كان هو المظلوم وكيف يمكن أن تتحقق العدالة لو ترك الناس ليأخذوا حقهم بأيديهم؟ في سلطنة عمان يوشك القضاء هذا الشهر على إصدار الحكم في شكوى لطبيب على رائد شرطة بتهمة الإهانة والتنكيل به في مكان عام. وكان الطبيب يقدم العلاج لمريض حين دخل عليه الرائد ومعه سجين وأمره أن يترك المريض ويقوم بعلاج السجين. رفض الطبيب الأمر فأقدم رائد الشرطة على تقييده بسرير المريض. في أثناء جلسات المحكمة ادعى الضابط أن ما قام به يشكل إجراءً عادياً مارسه مراراً، لكن الطبيب رفض هذا المنطق وأعلن أن تفسير الضابط لصلاحياته وسكوت من نكّل بهم سابقاً لا يجعل الممارسة شرعية. هناك دروس ثمينة في كل ما حدث: أنك حين ترتقي قانونياً لتجرجر إلى المحاكم شخصيات كبيرة في المجتمع، فإن المجتمع لا يجب أن يشعر وكأنه وصل للكمال. فالحقيقة أن الإنجاز القانوني يملي على الجميع أن يرتقي للمستوى الرفيع نفسه. وفي وسط الضجة الكبيرة التي تثار اليوم ضد قانون الإعلام الجديد ربما يجب على الإعلاميين وهم يسعون لتوسيع دائرة حق التعبير والنشر، وهو حقهم المشروع، أن يحرصوا على أن لايتوهموا ولو للحظة أنهم قضاة. بالمقابل فإن النيابة العامة وهي تتصرف كنيابة تمارس دور الحارس للحق العام يجب عليها أن تحرص على سمعتها من ذوي النفوس الضعيفة الذين قد يندسون في صفوفها.بمعنى آخر, ودون ألتباس, على النيابة أن تقذف التفاح الفاسد بعيداً عن مؤسستها.



قوس قزح أمريكي فـي برد قارس


كيف صنع أوباما نصره الانتخابي؟ نسبة السود في الولايات المتحدة لا تتجاوز ثمن عدد السكان ٣٨, ١٢ % فكيف نجح رجل ذو أصل أفريقي هذا الأسبوع بإقناعشعبه لينصبه رئيساً؟ بالكاد مرت عقود قليلة على الأيام التي كان السود فيها يجبرون على الجلوس في آخر الباصات العامة، على زمن كان فيه ٣ مراحيض عامة: واحد للرجال البيض وآخر للنساء البيض وثالث للسود رجالاً ونساءً. قبل قرن ونصف مزقت البلاد حرب أهلية بسبب سن قوانين تحرّم الرق، وتمزقت لقرن آخر في محاولة تحقيق المساواة في ممارسة الحقوق المدنية. قبل شهرين انتهت الانتخابات الأمريكية بفوز باراك أوباما بنسبة ٧ ,٥٢٪ إلى ٤٥,٩٪ لخصمه، وهو فارق يصل لحوالي ثمانية ملايين ونصف المليون من الناخبين الذين حسموا الانتخابات لصالح الفائز. بيد أن عملية عدّ الأصوات لا تضيء لنا النتائج، لأن عدّ الأصوات، كما يقول المفكر الإيطالي الراحل غرامسشي، ليس سوى المرحلة الأخيرة من عملية صراع طويلة تفرض خلالها القوى الجديدة رؤيتها لحقيقة الأشياء في المجتمع، بحيث يأتي جمع الأصوات في النهاية كتحقيق لذلك التحوّل الحادث في عقول الناس. علينا أن نرصد إحدى البدايات المبكرة للصراع قبل قرن من الزمن مع تشكّل موسيقى جديدة في الجنوب الأمريكي أطلق عليها اسم موسيقى الجاز، موسيقى ولدت مع السود، ومنذ بواكيرها عبّرت عن آلامهم ومآسيهم اليومية. لكنها فعلت شيئاً أكثر من ذلك: فرضت نفسها جمالياً على الشعب الأمريكي كفن فريد ومليء بالدفء الإنساني. في العقود التالية واصل الفنانون السود انطلاقتهم الإبداعية برغم الظروف المستحيلة التي واجهوها كما واجهها إخوتهم وأخواتهم: شظف العيش، الإهانات اليومية، العنف والقتل على يد جماعات الكوكلوكس كلان.. لكن المسيرة تواصلت، وتنوّعت مواقعها من الموسيقى إلى المسرح. وبالنظر للضرورات الحربية تم استيعابهم في الجندية وإرسالهم لجبهات القتال، حتى مع ممارسات التمييز العنصري التي احتملها السود بصبر. القلة تمكّنت من نيل بعض من حقوقها وفرضت احترام الآخرين لها، أما العدد الأكبر فعانى الأمرّين: التعليم كانت عوائقه أمام السود كبيرة، وكذلك فرص العمل. ودفعت أجيال من السود الثمن: انتشار المخدرات وإدمان الكحول والجريمة والتمزق الأسري. جو اليأس والإحباط دمّر الملايين من البشر، لكن البعض واصل صراعه. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية انفتحت مجالات جديدة للمبدعين السود، في السينما والرياضة وتجارة التجزئة. لكن الأهم هو ولوج العديد منهم حقل الصراع السياسي: مارتن لوثر كينج، مالكولم إكس، جسي جاكسون وآخرون. وقد تمكّن هؤلاء من استقطاب كثيرين من البيض ذوي الضمائر الحية لدعم نضال حركة الحقوق المدنية فتواصلت المكاسب على صعيد سن القوانين التي تفرض المساواة في الممارسة اليومية لتوفير تعليم متساو بين الأطفال السود والبيض، ونيل السود فرص عمل كانت ممنوعة عليهم بسبب لونهم. عملية الانتقال هذه من صراع ينفرد به السود إلى صراع يستقطب فئات أخرى قد تكون هي الأمر الحاسم في تنصيب رئيس أمريكي أسود. في الستينات انطلقت أيضاً عملية صراع أخرى في أمريكا: شعور النساء الأمريكيات بالتمييز ضدّهن في القوانين وفي سوق العمل، وكان هناك أيضاً شعور الغبن بين ذوي الأصول اللاتينية من المهاجرين من أمريكا الجنوبية ووسطها، وفي معيّتهم ذوو الأصول الآسيوية، الصينية والكورية واليابانية والعربية الذين واجهوا نصيبهم من أشكال مختلفة من التمييز. وقد أوحى هذا التمييز الذي يطال غير السود إلى القس جسي جاكسون قبل ثلاثين عاماً، للإعلان عن جبهة أسماها "قوس قزح" تختزل التنوع العرقي لمختلف الإثنيات والأعراق وتسعى لتعظيم التضامن بين المضطهدين. في انتخابات ٢٠٠٨ تحققت آمال جاكسون لكن مع تعديلات جوهرية كان للرئيس الجديد الإسهام الرئيس في توليدها: انطلق أوباما من حقيقة أن السياسة في أمريكا محتكرة من كبار السن فقام بالتوجه للشباب بشكل خاص، بتحفيزهم على المشاركة السياسية، وبتسجيلهم في قوائم المقترعين، وبإطلاق الوعود التي تضمن لهم قروض الدراسة والعمل، وتلبي أمنياتهم بإخراج بلدهم من كوارث الحروب التي يجنّدون للمشاركة فيها. في يوم التنصيب كان دور الفنانين السود ظاهراً، الإعلامية أوبرا وينفري، الشاعرة إليزابث ألكساندر. لكن الاحتفال كان أيضاً قوس قزح شارك فيه العشرات من البيض واللاتين. من بين جميع المشاركين كان رجع صدى النضال الطويل تختزله مغنية الجاز إريثا فرانكلين أمام ملايين الناس الذين احتشدوا في العاصمة الأمريكية في يوم قارس البرد: سعداء أحرار بعد معاناتنا وخوفنا بعد دمائنا ودموعنا، بعد مئة عام لنا.. صرنا أقوياء.



جمعية حقوق الإنسان من دون حقوقيين


عضويتي لجمعية حقوق الإنسان تمتد لأكثر من ٣ سنوات, أي منذ كانت فكرة في رؤوس مؤسسيها. لكن ما شاهدته في الجمعية في هذه السنوات كان أموراً كثيرة أقل الأشياء فيها هو حقوق الإنسان. لسبب أو لآخر كان هناك الكثير من الأعضاء من أهل الإمارات ومن سكانها الذين وفدوا إليها للعمل. لكن التجربة كشفت لي أن الكثرة الساحقة جاءت لأسباب ليست متعلقة فعلياً بنشر وحماية حقوق الإنسان وبالتضامن مع من له شكوى فردية كانت أو اجتماعية.
العدد الأكبر من الأعضاء وفد للجمعية أساساً ليكسب شعورا بالأمان يفتقده في حياته. مواطنة متزوجة من رجل لا يمتلك جنسية من أي بلد تتمنى أن تضمن الجمعية لأبنائها جنسية الإمارات , موظف خائف في عمله من رئيس مستبد . عربي مقيم لفترة طويلة خائف من عدم تجديد إقامته... هؤالاء يصدق وصفهم بأنهم ضحايا لكنهم ليسوا ناشطين حقوقيين بأي تعريف للكلمة.




من أوباما إلى حتشبسوت: كيف يتم تناول السموم؟


أمريكا التي تهاجمها وسائل إعلامنا بوجه حق أحياناً وبشكل ظالم غالباً، هي ليست الرئيس بوش ولا اللوبي الصهيوني. هي أيضاً قيم نبيلة: ولعل أعظم هذه القيم هو قبولها فكرة أن يرأسها شخص من أصول إفريقية، كما أفرزته انتخابات الحزب الديمقراطي في الأسبوع الماضي.. هذه الممارسة لا يمكن توقع حدوثها مثلاً في أوروبا التي على رغم إطلاقها مبادئ الثورة الفرنسية "حرية، إخاء ، مساواة"، فإنها لا تزال تشرّع العمل للحركات العنصرية.
في سويسرا حاز قبل أشهر حزب الشعب، ذو التوجهات العنصرية، على أكبر قدر من أصوات الناخبين، وهذا الحزب لا يشكل ظاهرة استثنائية، بل هو يأتي في صحبة حركات مشابهة في فرنسا وهولندا وبلجيكا وبريطانيا والنمسا. وقبل أسابيع قليلة فاز برلسكوني في إيطاليا بالتحالف مع حركات عنصرية مثل "عصبة الشمال" التي لا تخفي كراهيتها لغير الإيطاليين. أوروبا هذه التي تحمل إرث الحركات الفاشية والنازية لم تتعلم ضبط عنصريتها بعد، فقرر ساستها هذا الأسبوع التعامل بقسوة مع المهاجرين الذين يأتون من دول العالم الثالث، خصوصاً دول إفريقيا، متجاهلة أن هؤلاء الناس ما كانوا ليهاجروا لأوروبا مخاطرين بأرواحهم لولا ما صنعته أوروبا بهم على مدى 300 سنة من نهب منظم لقارّتهم وتمكين لحكم المتسلّطين والفاسدين فيها. نشر العنصرية هو محاولة من رجال السياسة الذين يريدون الوصول بأي ثمن للسلطة – ويكون الثمن هو تغذية مشاعر القلق والخوف عند الفئات الفاشلة في المجتمع التي تشعر بعجزها عن المنافسة في سوق العمل أمام المهاجرين الذين يجدّون في عملهم أكثر ويقبلون بالوظائف ذات المردود الأقل وتلك التي في ممارستها مشقة أكبر. لكن أوروبا لا تحتكر لوحدها مرض العنصرية، فالأمم القديمة المختلفة كانت تنظر لغيرها نظرة دونية كارهة. حتى نحن العرب لا نزال نطلق مسمى غرباء وأجانب، بشكل سلبي، على من لا ينتمي لهويتنا. في مصر عندما سألت مستنكراً عن المذبحة التي قام بها أصوليّون متعصّبون قبل عشر سنوات وراح ضحيتها عدد كبير من السياح عند معبد حتشبسوت في مدينة الأقصر، قال لي سائق التاكسي بشكل مستخف: "… بس هم أجانب"، وكأن لا بأس بقتل الأجانب. تاريخياً، المصريون هم من أكثر الشعوب العربية تقبلاَ لغير المصري، لكن مع ذلك أخذت هذه الروح المتسامحة تضعف أمام زحف العنصريات الجديدة. في بلد عربي آخر، سألنا شرطياً إن كان لنا أن ننضم إلى طابور لتخليص معاملة حدودية فأجاب: "… لكن هذا الطابور (كرّمكم الله) مخصص للأجانب"، أي أن الأجانب هم شيء أدنى أو أقل من مقامنا نحن العرب. كنت أتساءل لسنوات طوال عن مصدر هذه العنصرية الكامنة في بعض الناس منا، فلا أجد لها جواباً، لكن مصادر تغذيتها متعددة: فقبل الحادي عشر من سبتمبر كان خطباء المساجد يطلقون لألسنتهم العنان في النيل والحط من قدر ممن ليس مسلماً إلى درجة لعنهم والدعاء عليهم في خطب المساجد "اللّهم فرق شملهم!…" إلخ.. لكن الإعلام اليوم صار هو الإناء الذي يتم تناول السموم العنصرية منه. ونجد على سبيل المثال عينة صارخة لمثل هذه العنصرية جاءت في مقال نشر في صحيفة إماراتية يومية تعبّر فيه عن اشمئزازها من الوقوف في طوابير وزارة العمل مع العمال الذين يراجعون معاملاتهم، وكأنهم ليسوا بشراً. حتى كتبنا المدرسية وهي تبالغ في التغني بالذات والاعتزاز المفرط، كانت لسنوات طوال تغذي فينا هذه النعرة وتجعلنا نعيش في أوهام العظمة النابعة من ثقافتنا وكأن الثقافات الأخرى أقل منّا قيمة أو خلقاً.. ربما كان مقبولاً في الستينيات والخمسينيات وفي مواجهة التركة الاستعمارية أن نعزز التغني بالأمجاد وبلغتنا وبديننا وحضارتنا في مواجهة عملية المسخ التي مارسها المستعمر ضدنا والتي أدت في المغرب العربي إلى إحلال اللغة الفرنسية عوض العربية.. لكننا اليوم لا نمتلك أي مبرر لنجتر سموم العنصرية.
تعليقات القراء
في تعليق بسيط بخصوص اشارة الكاتب الى للغة و الاستعمار و عبارة مزعجة كثيرا بالنسبة لي وهي احلال اللغة الفرنسية عوض العربية في بلدان المغرب العربيوو هدا غيير صحيح تماما لان للغة الرسمية مازالت هي العربية في المدارس والمؤسسات الحكومية,وباعتباري مغربية من قبائل الصحراء ,كان لازم اقدم تعليق في الموضوعالتعليق : بواسطة ن .العبار — يونيو 19, 2008 @ 1:03 pm
السلام عليكم ورحمة اللله وبركاته هناك بعض الملاحظات البسيطة التي لاحظتها في المقال او راي الاستاذ محمد عبيد غباش . في المقال تم ذكر العنصرية مقارنة بالدول وليس بالاشخاص كما لاحظت فقد ذكر اميركاواروباو سوسيراوثم تطرق في المقارنة الي الدول العربية تم ذكر مصر ليس كادولة كما ذكرة في باقي الدول ولكن استشهد بشخص وهذا الشخص واحد فقط وهو سائق اي ليس متعلم او مثقف واخذة بكلامه دليل على العنصرية وذالك من خلال ماذكره في النص الاوهو ” المصريون هم من أكثر الشعوب العربية تقبلاَ لغير المصري، لكن مع ذلك أخذت هذه الروح المتسامحة تضعف أمام زحف العنصريات الجديدة”. ثم بعد هذه الفقرة ذكر مثل اخر قائلا “في بلد عربي آخر” ولم يذكر اسم البلد ماهو ؟؟؟ وذكر اسم مصر ؟؟؟؟. هذه هي الملاحظات التي وجدتها في المقال .التعليق : بواسطة BYs — يونيو 26, 2008 @ 7:43 pm



الأطفال ينقرضون


هل شاهد أحدكم طفلاًً مؤخراً؟ ليس المقصود تلك الكائنات الإنسانية ذات الأعمار القليلة، فهؤلاء كثيرو العدد وهم في كثير من الدول يمثلون النسبة الأكبر من السكان. المقصود تلك المخلوقات الوادعة التي لم تفقد براءة الفكر والبصر.
أينما تلفتنا نلاحظ غروب الأطفال باكراً. شيء مثل الشيب المبكر، ليس في الأجساد، بل في الأرواح. في بريطانيا هناك تقليعة تنتشر بين التلاميذ من السن الـ12. التقليعة يختزلها عطر خاص نفاذ الرائحة، ليس لإطفاء حرارة الموسى في أذقانهم التي لم تنضج بعد للحلاقة، ولا هو لإخفاء أو تخفيف التعرق، العطر كما روج له أحد مشاهير هوليوود تم استنساخه ليؤدي مهمة محددة: الاستثارة الجنسية الملتهبة لاجتذاب الجنس الآخر، خلطة لا يعرفها إلا من حضَرها تحتوي على الهرمونات والزيوت التي لها القدرة على تدويخ الجنس الآخر والعبث بحواسه. الأخطر من ذلك أن انتشار المخدرات بين صغار السن أمسى شيئاً عادياً. وبرغم أن السجاير تمثل مشكلة صحية لهذا الجيل فإنها مشكلة مستقبلية تطال رئتهم وشرايينهم، لكن المشكلة الملحة الآن هي في تفاقم استهلاك المخدرات: مخدرات مثل الماريجوانا والحشيش تدرجاً إلى الثقيلة كالكوكايين والهيرويين. والظاهرة التي تستفحل يوماً بعد يوم تكمن في المخدرات الجديدة كحبوب النشوة (إكستاسي) والميث أمفيتامين، علاوة على المخدرات ذات الاستخدام الطبي للتخدير أو لإزالة الألم مؤقتاً أو لعلاج الصدمات العصبية. ونتائج استخدام هذه المخدرات على أطفال في طور التشكل والنمو مروّعة. هناك تزايد حاد في حالات الفصام الذهني والكآبة والخبل العقلي والوساوس وعقد الاضطهاد، وهناك تحولات سلوكية خطيرة بين المستخدمين ترتكز على الكذب والقسوة تحضراً لولوج بجريمة... نحن، بالطبع، نسعد لأن أوضاع أطفالنا أفضل من أطفال أوروبا وأمريكا. لكنها ليست إلا سعادة الجاهل بحقيقة وضعه: أطفالنا في أمور كثيرة أسوأ حالاً، فنحن نفتقر بداية إلى المؤسسات والنظم الإحصائية التي تفضح أوضاعنا الاجتماعية، وثقافتنا القائمة على العيب والخوف من الفضيحة تجعلنا باستمرار نشيح البصر بعيداً لنوقع أنفسنا في وهم أن عدم رؤيتنا للمصيبة يجعلها غير موجودة. لنستحضر شيئاً من غير الموجود هذا: قبل عامين غضب طفل في الـ11 من العمر لأن احد المدرسين أساء معاملته، فانتقم من ابنته ذات الثلاث سنوات التي كانت تسكن بجوار منزله، والتي كان يتهمها بتحطيم ألعابه، فترجم الغضب إلى أكثر من 40 طعنة سكِين أودت بحياتها. وقد دهش المحققون وهم يرون الطفل يبتسم وهو يشرح ما فعله. هل كان يتخيل نفسه يلعب لعبة فيديو؟. وما يثير الاستغراب أن الطفل ينتمي لأسرة مصرية تعمل في المملكة السعودية، وباستثناء عمليات الثار في الصعيد والاقتتال الطائفي النادر، فإن المعروف عن المزاج المصري هو الوداعة والسلم، فالقاهرة وهي مدينة تمتلك جيوباً كثيرة من الفقر والبؤس مدينة آمنة، وبإمكانك السّير في شوارعها وطرقها كل الليل دون أن يتعرض لك أحد، وهذا مالا يأمنه الإنسان في حواضر مثل واشنطن وباريس وموسكو. حالة الخبل التي التاث بها عقل الطفل ليس يجاريها إلا الخبل الآخر، خبل أنظمتنا القضائية التي تجاهلت أنه طفل قاصر، ولم تقم بأي اختبار عقلي ونفسي له، واكتفت بأن تصدر عليه حكماً بالإعدام. ما العمل تجاه وأد البراءة هذا؟ هناك الكثير، لكن أهم خطوة تكمن في الاعتراف بحقيقة المشكلة. فنحن مجتمعات معطوبة، والعطب طال أغلى ما نملك. والخطوة الثانية هي في تبديد وهم أن هناك حلاً فردياً لأي منا، وهم أنك أم أو أب أقدر من غيرك. الحقيقة الصارخة هي أنه ليس هناك أي بقعة آمنة في مجتمعاتنا. كل أطفالنا مستهدفون وطوق النجاة ليس إلا رمية نرد، لعبة روليت سيدها الصدفة المحضة. والحقيقة الصارخة الأخرى أن أطفالنا ضحايا خضوعنا لقوى السوق والجريمة المنظمة وأجهزة الدولة المنشغلة بترويع أو تجويع المواطنين بدلاً من أن الحفاظ على الوجود وتحقيق شروط العيش الآدمي للجميع.


ذئاب ورقيق في بلدان مفتوحة


هل حقاً أن الرق يمارس في الخليج؟ صدر تقرير وزارة الخارجية الأميركية قبل أسابيع حول الاتجار بالبشر في أكثر من 150دولة. وخلص التقرير إلى أن قائمة من 14 دولة، قد تتعرض لعقوبات سياسية واقتصادية، لأنها لا تقوم باستئصال عمليات الرق الجديدة. وأضيفت 4 دول خليجية لهذه القائمة هذا العام. بحسب التقرير هناك من 600 إلى 800 ألف إنسان يتعرضون لعمليات تداول عبر الحدود الدولية،
وتبلغ نسبة الأناث منهم قرابة الـ 80% وتبلغ نسبة الأطفال حوالي نصف الحالات. ويذكر التقرير أن الاتجار في البشر يعود لجملة أسباب منها الفقر والفساد وغياب التعليم. ويستغل الظروف المأساوية لهؤلاء الضحايا الطلب للعمالة الرخيصة والسخرة والبغاء والاستغلال الجنسي للأطفال، إضافة لاستخدامهم كجنود أو في أعمال خطرة. وأشار التقرير الأميركي الرسمي لعمليات السخرة التي يتعرض لها العمال المهربون من المكسيك للعمل في الولايات المتحدة نفسها وللضرب الذي ينالونه إن هم حاولوا ترك العمل. انبرى العديد من الكتاب في الخليج للتشكيك في مصداقية التقرير حول ما ذكر عن الأربع الدول الخليجية. وقام آخرون بالهجوم على سجل الولايات المتحدة في انتهاك حقوق الإنسان، ضمن منظور أن من كان بيته من زجاج عليه ألا يرمي الناس بحجر. لكن من المهم أن لا تأخذنا العاطفة، وعلينا أن نسأل: هل هذا الإنكار معقول؟ ألا نسيء معاملة العاملين، أوليس بيننا من يتاجر بالبشر؟ إن إنكار هذا، إذا نحن أسأنا النية، ليس إلا كتابة للاستهلاك الخارجي، لأننا في الداخل نعرف شيئاً آخر. فلندقق قليلاً في وجوهنا في المرآة. حتى في ضوء خافت سنكتشف أن في تقاسيمنا علامات ليست جميلة لا تخفى حتى عن أعيننا. لنستحضر بعض التاريخ. أولم تتزوج جداتنا وأمهاتنا في أعمار الطفولة في سن 11سنة أو 12 أو 13؟ وماذا نسمي عمليات تزويج المراهقين رغم إرادتهم أو ليس استغلالاً لصغر السن، وعدم إدراك حقائق الحياة؟ أولم نعش إلى عهد قريب في بيوت يعمل فيها العبيد؟ يجب أن نعترف أن بعض محاسن الاستعمار البريطاني القليلة في الخليج، برغم سيئاته التي لا تحصى، تمثل في مساهمته في استئصال العبودية. دعونا نعطي كل ذي حق حقه، فلا نزور الحقائق أمام أعيننا. فليس كل تاريخنا ما يفخر به. إذا دققنا في حاضرنا سنلاحظ أن بلداننا المفتوحة، على مصراعيها تقتحمها مجموعات من الذئاب البشرية يمارس بعضها اتجاراً حقيقياً بالرقيق, وبعض المتاجرين من أبناء جلدتنا. قبل عام أخبرني شخص بأنه اشترى فتاة بـ 5000 دولار. نعم اشتراها واستسرها، لا كزوجة بل كجارية. يحدث هذا الآن وليس قبل قرون، ويحدث في بلداننا وليس عند الإسكيمو الذين يزعم أنهم يهدون نساءهم لضيوفهم. دعونا أيضاً نسأل عن وضع الخدم في البيوت الذين يتعرض عدد ليس بقليل منهم للضرب أو الحبس أوالتجويع، إضافة لتقييد حركتهم ومنعهم من الخروج من البيت لفترات طويلة. وهل نتحدث عن عمليات الاستغلال التي يتعرض لها العمال ويتم الإتيان بهم للعمل بأجور أقل من حد الفقر، ولا تسدد قيمة ما دفعوه لتجار التأشيرات؟ يمكن أن ننكر كما نشتهي. لكن هذه الظواهر لن يخفيها النكران. ما سوف يجعلها تختفي هو مواجهتها كحقائق تشوّه صورة بلداننا وتفضح إخفاقاتنا للارتقاء بالعلاقات الإنسانية إلى مصاف البشر المتحضرين، أينما كانوا. وليس ينفع الحديث عن مثالب منتقدينا. فسجل الغرب القبيح نعرفه جيداً. وليس مجدياً اجترار الإدانات، لأن ارتكاب الآخرين الجرائم لا يجعلها بأي وجه مباحة لنا. أغرب ما في الموضوع أن وزارة الخارجية الأميركية تنشر تقريرها بشكل سنوي وهناك تقارير مشابهة بل وأكثر مصداقية، تنشرها هيئات غير حكومية مثل منظمة العفو الدولية ومنظمة مكافحة الرق. لكن دولنا، ولأكثر من 3 عقود، شاءت أن تتجاهل هذه التقارير ليس لأنها تستفيد من هذه المخالفات، بل كنوع من الإنكار لأنها هي كحكومات لا تمارسه، وتنظر لهذه التقارير على أنها كيدية وربما موجهة من دوائر مضادة للعرب تضخم الأمور من دون أساس. لكن تقرير هذا الشهر يدلل على أن دولنا الخليجية يجب أن تولي كل الانتقادات حقها من الاهتمام، وأن تتحمل مسؤولية ما يحدث في المجتمع الأهلي بشكل كامل. فليس يكفي الإعلان أن حكوماتنا لا تزاول هذه الممارسات، بل يتعين عليها أن تضمن ألا يمارسها أحد على أراضيها لا من مواطنيها ولا من المهاجرين إليها للعمل والتجارة. ولعل أفضل أسلوب لمواجهة المشكلة تمثل في رد وزير الداخلية الإماراتي، الذي لم يلق «الحق على الطليان» ولم يتهم الصهيونية والإمبريالية بالتآمر، بل سلّم بأن هناك مشكلة حقيقية وأعلن بأنه سينظر في تفاصيل التقرير وسيوليه كامل عنايته، وسيبذل قصارى جهده لاستئصال أي ممارسات تتعلق بالاتجار بالبشر. ولم يمض أسبوعان حتى اكتمل إرسال مجموعة من الصغار ممن كانوا يعملون على جمال السباق إلى بلدانهم. وكان هؤلاء يعملون في هذا المجال برغم أن القوانين الإماراتية تحرّم عمل الصغار تحت 15 سنة، لكن لسنوات كان يتم خرق القانون. على أن الخطوة الأهم في التصدي لمخالفات حقوق الإنسان تكمن في ألا يترك المواطنون الخليجيون سمعة وطنهم لكفاءة وزرائهم فقط. يجب علينا كأفراد أن نبادر قبل الحكومات وقبل المنظمات الأجنبية، ومن خلال منظماتنا الأهلية برصد التجاوزات والتنبيه عليها. وكما أثبتت السنوات الطويلة فترك الأمر للحكومات بات خطراً يتهدد، لا شرفنا الوطني وحسب، بل وربما سيادتنا السياسية أيضاً. التعليقات: صموئيل بولس عبد المسيح، NL، 28/06/2005 إذا كان العرب صادقون فيما يدعونه من أنهم خير أمة أخرجت للناس، فعليهم برهنة ذلك بإرساء قيم الخير والعدل . لكن الإصرار على مواصلة شيوع الإدعاء دون الإتيان بسلوكيات تؤكده هو نوع من أزمة الضمير، وهي أزمة ليست مقتصرة فقط على العرب، بل هي ظاهرة عالمية تشمل كل الأجناس، ففي كل أمة نرى فئات تتحدث عن قيم الخير ، لكن تصرفاتها تصب في الاتجاه الآخر. مما يؤكد لنا أن البشرية بحاجة لتتدرب على كيفية اقتناء الضمير . لو حدث ذلك لاختفى من عالمنا العنف والظلم والرق والعبودية ، ولاقتلعت كافة أشكال الإذلال والتمييز. د عـيـدروس عـبـدالـرزاق جبوبة الصومالي، GB، 28/06/2005 شجاع من طراز رفيع ، فمحمد لا يتجمل و لا يكذب ، بل قال الحقيقة ،ألا ما أحوجنا لأمثالك ،فهو لم يخف و لم يرتجف، بل جهر بما يراه حقا .أخجلتني كلماته ،وأخرستني
إسلام فارس، SA، 28/06/2005 الله عليك يا أستاذنا، هذه هي البداية الحقيقية لحل كل مشاكلنا، ألا وهي الاعتراف بوجود المشكلة، حيث أن المريض لا يتعاطى الدواء إلا عندما يوقن أنه مريض، إن موقف وزير الداخلية الإماراتي هو موقف متحضر ومشرف ويمثل علامة فارقة، وعلينا إلى جانب الاهتمام بتلك التقارير، أن نفعل منظمات المجتمع المدني الداخلية، فهي التي ستبصرنا بالمشاكل التي تواجهنا كشعوب، ولا ننتظر تقارير الغرب، ليس لكذبها مثلاً، ولكن لأننا أولى من غيرها بمعرفة ما يعثر مجتمعاتنا. أصدقك القول لقد تفاءلت كثيرًا من موقف الوزير، وأتمنى أن يقتدي به كافة مسئولينا، خاصة المؤمنون بالمقولة الشهيرة ليس في الإمكان أبدع مما كان. الدكتور سعد العنزي، KW، 28/06/2005 مقال جميل كعادة الكاتب محمد عبيد غباش الذي لامس الجرح بشفافية. نعم هناك اتجار بالبشر قد لا يكون بالمعنى الحرفي للكلمة ولكن توجد مظاهر لهذا الاتجار لاسيما بالنسبة لمعاملة الخدم. د.حسام محمود فهمي، EG، 28/06/2005 الاعتراف بالحق فضيلة الفضائل، يستحيل قراءة المقال دون شكر الكاتب، وأود التذكير إلى جانب ما قاله بنظام الكفيل الذي يسلب الإنسان حريته وكرامته في معظم الأحيان. فهد سعد، SA، 28/06/2005 من يمشي في شوارعنا هنا في بلدان الخليج يكاد يحكم أن هنالك مشكلة . تعدد أجناس واختلاف في المداخيل . أمور مثل هذه غيرت سمة مجتمعاتنا بالخليج ..لكن ليت المشكلة تحل من جذورها.


سجين واحد للآنسة زاوي


أكملت جمعية حقوق الإنسان في الإمارات سنة من عمرها قبل عدة أسابيع، وقد قررت صحيفة «جلف نيوز» أن تحتفل بهذه المناسبة فنشرت مقالاً مطوَّلاً يحمل فكرة بسيطة: إعدام هذه المؤسسة معنوياً. تجاهلت الصحيفة المكاسب التي تحققت في مجالات حقوق الإنسان في البلاد، وأغمطت دور الجمعية في تحقيق هذه المكاسب التي توالت عبر العام بوتيرة لم تتحقق على مدى ٣٥ عاماً من عمر الدولة: قانون يحرّم الاتجار بالبشر، مشروع قانون جديد للعمل، تنظيم جديد لخدم المنازل، تفعيل قانون الجنسية المعطّل ومنح الجنسية لقرابة الـ ١٣٠٠ شخص عانوا لسنوات طويلة، كما لاتزال معاناة غيرهم متواصلة لعدم دراسة حالاتهم إلى الآن. ما الذي دفع الصحيفة العتيدة لإطلاق أعيرتها النارية على الجمعية؟ مؤسساتياً لايوجد سبب، فلم يحدث أن قامت الجمعية أو إداريوها أو جهازها العامل بما من شأنه المساس بالصحيفة أو عرقلة عمل صحافييها. على الصعيد الشخصي فإن مناقب عبيد الطاير، رئيس مجلس إدارة الصحيفة، وعبدالحميد أحمد، رئيس تحريرها، تبعد أي شك في أنها تصفية حساب على الصعيد الشخصي بينهما وبين من يقود أعمال الجمعية. من أين جاءت الأعيرة النارية إذاً؟ النقد بحد ذاته للجمعية لايمثل أي مشكلة، فبصفتها جمعية نفع عام يحق لكل إنسان أن ينتقدها إذا هي لم تحقق ما ينتظره منها، وقد تعرضت الجمعية للنقد عدة مرات، ومن عدة جهات، لكنها كانت تمثل حواراً ينطلق من غيرة أصحاب الأعمدة وعشمهم بالجمعية، أما مقال «غلف نيوز» فكأنه جاء من كوكب آخر لايمت للنقد بصلة… حين جاءت الصحافية «زاوي كونستانتين» لمقر الجمعية طرحت مجموعة من الأسئلة الإعلامية واستوفت إجاباتها، لكن ما نقل المقابلة لمستوى غير إعلامي بالكامل هو ما أعلنته هي نفسها، من أن التحولات الإيجابية الكبيرة على صعيد حقوق الانسان لاتمثل الشيء الكثير. لماذا؟ لأن هناك شخصاً معيناً لايزال يمضي الوقت في السجن. لم يهمّ الآنسة وضع السجناء في البلاد ولم تطل السؤال عن أوضاعهم كثيراً ـ الذي همها من السجناء واحد بعينه. لم تسأل، ولم تكتب مثلاً عن سجناء الدم، وهي مجموعة ليست بالقليلة ممن تسببوا في موت أو في إلحاق ضرر جسيم بأشخاص نتيجة السكر أو قيادة السيارات بتهور أو نتيجة مشاجرات أو لتجاوزهم الطريق بالسيارة رغم الضوء الأحمر أو لعدم تجديدهم تأمين سيارتهم، لم تسأل عن هؤلاء الذين أكملوا أحكامهم لكنهم لايزالون قابعين في السجون لعجزهم عن دفع الدّية أو تعويض المتضررين عن أفعالهم. الآنسة «زاوي كونستانتين» لم يهمها هؤلاء السجناء، كما لم يهمها السجناء الكثيرين ممن أكملوا مدة سجنهم لكنهم لايزالون وراء القضبان لأنه لا توجد دول تقبل أن يسفّروا لها نظراً لعدم توافر الجنسية (من البدون) أو بسبب حملهم الوثائق الفلسطينية. «زاوي كونستانتين» لم تشارك في الزيارات العديدة للسجون التي قامت بها (لجنة السجناء والمشتبه بهم) التابعة للجمعية؛ لم تتفقد أحوالهم، ولم تسأل عنهم.. كل هؤلاء لم يهمّوا الآنسة «زاوي كونستانتين»، لكن الذي هّمها هو سجين معين اسمه شريف محمد هيدارا استحصل على أحكام قضائية متعلقة بسرقة أكثر من ٨٠٠ مليون درهم من أحد المصارف الإماراتية قبل ٩ سنوات. إعلامياً كان المتوقع أن تقوم الصحافية بتقصي مصير الأموال المسروقة وأن تتتبع خيوط الجريمة الدولية لتضيء للقارئ الغموض الذي لا يزال يحيط بها. لكن «زاوي كونستانتين» ارتأت شيئاً آخر: أن تخترع مجرماً آخر اسمه (جمعية حقوق الإنسان) لم يسرق مالاً من أحد ولم يهدد أحداً، وأن توجه له التهم المخترعة اختراعاً. لماذا؟ منذ الأسابيع الأولى لإنشاء الجمعية بادر السجين هيدارا بالاتصال بالجمعية وبالشكوى من انتهاك حقوقه بوصفه إنساناً، بعد استقبال شكواه تم تقصي وضع السجين الإنساني من حيث توافر الطعام والسجن في ظروف مناسبة، كما تم التخاطب بشأنها مع النائب العام بدبي في منتصف مايو ٢٠٠٦، وتلا ذلك عقد لقاء مع النائب العام وعرض الشكوى مجدداً، فأجاب النائب العام إجابة مفادها أن السجين هيدارا يواجه المزيد من المحاكمات المتصلة بالأموال المسروقة، وقد جاءت الإجابة كافية لترفع الجمعية يدها عن الموضوع إيماناً بأن العدالة تسير في مجراها السليم وأن حقوق المتهم لا تتعرض للهدر. شكوى السيد هيدارا ليست الأولى لسجين يزعم هدر حقوقه كما لن تكون الأخيرة. لكن جمعية حقوق الإنسان، وخلافاً لنظرية السيد هيدارا والآنسة «زاوي كونستانتين» ليست بديلاً عن القانون، ولا سيفاً مسلطاً للعبث بعملية الاقتصاص من المجرمين. الجمعية كيان أهلي يسعى لتطوير النظم القانونية بالتعاون مع الأجهزة التشريعية، وهي هيئة تهدف لضمان انضباط الأجهزة التنفيذية مع حكم القانون. وبهذا التصور هي ليست أبداً وسيلة للعبث بمجرى القانون كما يطالبنا السيد هيدارا والآنسة «زاوي كونستانتين» بأن نكون. من لديه مشكلة مع العدالة في الإمارات عليه أن يواجهها بحججه مباشرة، وأن يجنّب الجمعية أي أجندة مضادة للقانون تمكّن من لا يناسبه نظامنا القضائي الإفلات من أحكامه. * أمين عام جمعية الإمارات لحقوق الإنسان.


الفكاهة سوداء والبستان مظلم


قبل أيام سمعت حواراً أذيع في برنامج بوراشد الحواري الذي يبث يومياً من إذاعة عجمان. دار الحوار بين بوراشد، مقدم البرنامج، وأحد المواطنين الذي اتصل به عبر الهاتف. المواطن كان يتحدث عن حاجته للعمل لإعالة زوجاته الثلاث وأطفاله. واشتكى المتصل أنه بسبب تعذر حصوله على شهادة حسن سيرة وسلوك من الشرطة لتعاطيه الكحول فإنه صار عاجزاً عن الحصول على أي وظيفة.. كان المحاور يستجدي وظيفة مراسل أو مندوب، أي وظيفة حتى ولو كانت من الوظائف الدنيا في أجورها. للأسف فإن بوراشد بدلاً من أن يعالج مشكلته كأحد المواطنين العاطلين الذين يتوجب توفير فرصة العمل الكريم لهم فقد انشغل بحالة السّكر التي كانت أثناء الحوار ظاهرة بشكل كبير على المتصل. وهذا الانشغال قلب الحوار إلى كوميديا ساخرة بين سكران وصاحي، والمستمع الضاحك في النهاية يوصله البرنامج إلى نتيجة مفادها أن المصابين بالإدمان الكحولي لا يحق لهم العمل، وأن عليهم وأسرهم أن يموتوا جوعاً. لم ينكر المتصل مشكلة إدمانه، وأرجعها لضغوط نفسية يعاني منها، واستغاث يطلب العون للخروج منها، لكنه قال كلاماً صحيحاً: أن حالته ليست فريدة وأن كثيرين غيره يعانون من الإدمان نفسه لكنهم يتمكّنون من الحصول على العمل أو يحافظون على وظائفهم برغم إدمانهم بسبب الوساطات، وأنه لا يجب أن يحرم من العمل فقط لأنه لا يملك واسطة تنجده في محنته. بوراشد يلام كثيراً ليس فقط على استهانته بحالة المتصل بسبب سكره، لكنه يلام أيضاً لأنه عرّض بحالته كمتزوج من ثلاث نساء وصار يتساءل: كيف تتزوج ثلاث زوجات وتطلب المساعدة؟ وقد كان الأجدر به أن يفترض حسن النية بأن المتصل ربما كان شخصاً طبيعياً حينما تزوج وأن تدهوره في السكر أتى بعد زواجه. الأهم من ذلك هو أن بوراشد أهمل نقاش شهادة حسن السيرة والسلوك التي يتوجّب الخروج من تسلّطها على الناس بحيث صرنا كلما احتجنا لعمل شيء اشترط علينا الحصول على هذه الشهادة. وبالطبع محكوم على كل إنسان تورّط بخطأ في حياته بأن يحرم من ارتياد فرص العمل الشريف. أي أن الشهادة تتحول إلى عقاب دائم للناس يمنعهم من أن يفتحوا صفحة جديدة تساعدهم على أن يصلحوا من حالهم. يثير الحوار أيضاً مشكلة أكبر: أن هناك أعداداً كبيرة من المواطنين ذوي الحالة المشابهة لحالة المتصل الذي يعاني من إدمان الكحول، وهناك أيضاً أعداد ليست بقليلة من مدمني المخدرات. وفي الحالتين فإن أسباب الرعاية المتاحة قليلة وتتخذ شكلاً عقابياً بدلاً من أن تكون وسائل لإعادة هؤلاء الناس للحياة الطبيعية. والفشل في الرعاية يعني أن المدمن يستمر في وضع الإدمان لسنوات طويلة، ويكون عالة على أهله وعلى المجتمع. والمخيف أن غياب الرعاية يحوّل الكثير من هؤلاء الناس إلى عالم الجريمة لتمويل إدمانهم. في الحالتين نحن أساساً لا نواجه أناساً فاشلين في حياتهم. فما هم إلا ضحايا ظروف معيشية وتربوية ونفسية لو أصابت أياً منا لربما جعلته في حال أسوأ منهم في الإدمان أو في الجريمة. تمنياتي على بوراشد في موقعه المؤثر كإذاعي ألا تأتي الفكاهة التي يشتهر بها برنامجه على حساب تلمس المناطق المظلمة في حياة مجتمعنا، فمن خلال الكشف يمكن أن يقل عدد السكارى وينقص عدد المدمنين، وفقط عبر منظور حقوقي للناس يمكن اكتشاف أن فشل الأفراد في حقيقته هو فشل للمؤسسات. للأديب الفرنسي أنطوان دي سانت إكزبري قول مأثور يختزل حالة غياب الرعاية للناس: لكل حديقة بستاني يشذّب أشجارها، لكن ليس للناس بستاني". ونحن برغم وجود وزارة للشؤون الاجتماعية يفترض بها أن تكون هذا البستاني إلا أن أعداد الفاشلين في حياتهم لسبب أو لآخر لا تنقص بل تزيد، خصوصاً في الأزمات الاقتصادية التي تقذف المزيد من الناس إلى الفقر والإدمان والمرض والسجن بسبب الديون والبطالة.



البعض متواطئ… الكل يخسر


هل نغازل نساءنا بالإنكليزية أيضاً؟". هكذا سألني طالب جامعي حانق. بدأ هذا الشهر فصل دراسي آخر في جامعة الإمارات, لكنه ليس ككل الفصول الماضية في حياة هذه الجامعة البالغة 28 عاماً. الجديد يتجاوز هذه الجامعة ويتجاوز دولة الإمارات نفسها, فهو يعني العرب من عمان وحتى موريتانيا: التحول عن التدريس من العربية إلى الإنكليزية. الأمر نفسه كان موجوداً لسنوات طويلة في تخصصات الطب والهندسة والإدارة, لكن الفارق الآن هو أن تدريس علوم اجتماعية وإنسانية كالتاريخ وعلم النفس صار يتم بكتب انكليزية وصرنا كأساتذة نرطن لأبنائنا وبناتنا بلغة الأنغلوساكسون. التدريس بالإنكليزية للعلوم الاجتماعية والإنسانية موجود في جامعات عديدة في العالم العربي, إلا أنها كانت باستمرار جامعات أمريكية أصلاً, لكن التحول للتدريس باللغة الإنكليزية بات يطال جامعات عربية كثيرة, وعديد منها حكومي (الأردن على سبيل المثال). وكما هو متوقع فهناك ضجة كبيرة في أوساط الأكاديميين العاملين, وهذه الضجة لها صداها في داخل المجتمع نفسه وكذلك بين الطلاب والطالبات. وتعكس الضجة الانقسام الحاد بين أولئك الذين ينظرون للتعليم بالإنكليزية كتطوير وكضرورة, والفريق الآخر الذي لا يرى في الأمر إلا هجمة ثقافية أخرى لمسخ هويتنا القومية. يحتج خصوم التدريس بالانكليزية بأنه لا توجد ضرورة علمية, وبأن الطلاب غير مستعدين لهذه الخطوة لأن التعليم العام الذي أتوا منه لا يمكنهم من التعلم بغير لغتهم الأم, وأن البرنامج الجديد يسطّح المعرفة إذ يضطر الأساتذة لتخفيف المحتوى العلمي مجاراة لضعف اللغة الأجنبية, أي أن درس السياسة والجغرافيا كثيراً ما يتحول إلى درس تقوية للغة الانكليزية. ويرى هذا الفريق أن الأسهل من ذلك بدء عملية ترجمة واسعة للكتب والمراجع الأجنبية حفاظاً على المضمون العلمي القوي وتيسيراً لعملية التعليم نفسها على الطلاب, وفوق ذلك احتراماً لثقافتنا العربية وحماية لها من التهميش. لكن المعسكر الآخر يرد بأن التعليم العام وليس الجامعي هو المكان لبناء الشخصية الوطنية, وأن فترة 12 عاماً من ذلك أكثر من كافية لتعزيز الهوية العربية, وأن التعليم الجامعي هو أساساً لتمكين الطالب والطالبة من اكتساب مهارات تلبي حاجات سوق العمل الذي بات يرى في الانكليزية ضرورة لا غنى عنها في أغلب الوظائف والأعمال. إلى ذلك فمن المستحيل مجاراة حركة الترجمة لكمية المواد الهائلة التي تتدفق يومياً من مطابع الغرب, وأن الدوريات العلمية بالذات تصعب ترجمتها بالسرعة الكافية للطلاب بسبب كثرتها وتوالي أعدادها شهراً بعد شهر وفصلاً إثر آخر. والضجة الدائرة حول التدريس بالانكليزية تثير أمراً أخطر من ذلك حول عملية التعليم الجامعي برمتها. فلا يتطلب الموضوع عبقرية لاكتشاف عملية تواطؤ واسع تتشارك فيه الحكومات وأولياء الأمور والطلاب أنفسهم. فالحكومات تزعم لشعوبها أنها توفر التعليم للجميع, وتتجاهل أنها لا توفر الموارد الكافية ليكون تعليماً فعالاً لكشف المواهب وصقلها. أولياء الأمور أيضاً يمارسون خداع النفس, لأنهم يوهمون أنفسهم أنهم بإرسال أبنائهم وبناتهم للمدارس الحكومية فإنهم يمنحونهم تعليماً يعفيهم من بذل مالهم لأبنائهم وبناتهم. أما الطلاب فمن منهم في هذا العمر الغض يغضب على هدر قدراته وإفساد مستقبله؟. كلهم يطلب السهل, وكلهم يمارس الغش, لا في الامتحانات, بل على النفس. والنتيجة ضعف فاحش في نيل المعرفة, إلى الحد الذي يجعل من المشروع لنا أن نسأل: كيف نثق بمهندس أو طبيب تخرج من جامعاتنا العربية ليبني بيتنا أو ليعالجنا؟. الكل يخسر. فالحكومة توظف أشخاصاً بقدرات متواضعة, والمؤسسات الخاصة لن تمتلك الكفاءات التي تساعدها لتعمل أفضل أو لتنافس عالمياً... والأسوأ من ذلك أن غياب الكفاءة يدمر أخلاق العمل وينشر نفسية مريضة في المجتمع تقبل سوء الأداء في كافة أوجه حياتنا العامة والخاصة. هناك جيش يهرول للتعليم الجامعي وهو فاقد لمقومات الدراسة الجامعية يرغم أساتذته على خفض التعليم ليتكيّف مع مستواه المتواضع. ولا يلوم الإنسان الطلاب على تدني مستواهم. فالحكومات نفسها هي التي أجرمت بحقهم إذ سرقت وقتهم وطاقتهم سنوات طويلة في مناهج سقيمة, ومع أساتذة مطحونين بأزماتهم المعيشية, وعاجزين عن الانصراف لعملهم وإعطائه ما يستحقه من تفان. كيف تحول التعليم إلى عملية الاحتيال الجماعية هذه؟ أول الأخطاء يكمن في التعظيم المفرط للتعليم الجامعي, وكأنه عصا موسى الكفيلة بشق كل بحر وحل كل عقدة. والنتيجة أن التعليم الجامعي صار كشركات الدواجن ينتج الفراريج بالآلاف كل يوم, ونحن نفرح بهذه الأرقام, ولا نتوقف لنعي عبث هذه السياسات. التعليم الجامعي في مجال الإنسانيات والدراسات الاجتماعية ضرورة قصوى لكل مجتمع, لفهم تاريخه المنطوي ومجتمعه الراهن وطبيعة أفراده والعلاقات التي تربطهم والمؤسسات العامة والخاصة التي تنظم حياتهم... لكن هذا الجهد لا يجب أن تنصرف له أعداد ضخمة من الطلاب. المطلوب فئة قليلة, تمتلك الموهبة الضرورية لدراسة الإنسانيات والعلوم الاجتماعية, يتجه بعض أفرادها للتدريس وآخرون للعمل البحثي والاستشاري والمهني. أما الغالبية العظمى من الطلاب والطالبات فيجب أن تتجه للعلوم والمعارف التطبيقية المرتبطة بالإنتاج؛ وهي لا يجب أن تكون مضطرة لنيل هذه المعارف في أروقة الحرم الجامعي, بل على العكس, الكثرة العظمى منهم يجب أن تنال تعليمها في معاهد وكليات ومدارس تطبيقية ومهنية وفنية, بل وحتى من خلال العمل المباشر كمتدربين حين تسمح ظروف التخصص بذلك. وهي بالتأكيد ستكون أكثر سعادة واقتداراً على تعلم المعارف التطبيقية وستتمكن من نيل مهن قد تكون أكثر مجزية من مهن العلوم الاجتماعية والإنسانية. هوّنت على الطالب حنقه, لكنه كرر سؤاله حول النساء والغزل فأجبته: إذا كنت تملك لغتين فليست المسألة استخدام أي منهما, المسألة الأهم هو ألا تغش المرأة أو نفسك بأي لغة.



تعليم كخلع الأضراس


تنطلق جهود الإصلاح التعليمي التي نراها في الإمارات، سواء في حقل التعليم العام أو التعليم العالي من غايات نبيلة مختلفة تصب في نهايتها لمصلحة الطلبة. وفي السنوات العشر الأخيرة هبطت حملات تطويرية جديدة للتعليم كان أساسها توظيف المعلوماتية بأكبر صورة ممكنة، لذلك أخذ الكمبيوتر الثابت للتلاميذ والمحمول لبعض أعضاء هيئة التدريس يكثر في المدارس وفي قاعات المحاضرات، بل إن كليات التقنية جعلت المعلوماتية القاعدة الأساسية التي تنبني عليها العملية التعليمية برمتها. والنتيجة لكل هذه الجهود المختلفة أن استخدام وفهم الكمبيوتر قد تزايد عند الطلبة, لكن تحصيلهم للأشياء الأخرى لم يزد بشكل ملحوظ. لن نقول أن هذه الجهود الإصلاحية كانت فاشلة، فمن الظلم أن نختزل الأدوار إلى ثنائيتي النجاح والفشل فقط، لكن دون شك لم تحقق الطموحات التي انطلقت منها، لكن هذه الجهود العديدة والمتوالية منذ عقود عديدة كانت لا تحقق إلا شيئاً يسيراً من طموحاتها. أسباب كثيرة يمكن تعدادها لتفسير هذا القصور عن تحقيق القفزة النوعية التي تمناها الذين يقودون المؤسسات التعليمية, لكن سبباً واحداً من بينها يستحق الذكر, لأنه قد يكون السبب الأهم من بينها جميعاً، والذي لا يكاد إنسان يراه ماثلاً في الدراسات والنقاشات حول الخلل التعليمي. فعمليات الإصلاح التعليمي انطلقت باستمرار من النظر إلى أن المشكلة في المنهج والكتب (قديم ولا يأخذ التغييرات الحادثة في العالم) أو أنه لا يتفق وديننا وتقاليدنا، أو في وسائل الإيضاح (استخدام الشفافيات وبرنامج باوربوينت... إلخ), أو من المباني والمكيفات والأدراج والكراسي والباصات. ودون شك فإن لبعض هذه الأمور أثر كبير على حسن الأداء في مكان الدراسة، لكن السبب الأكبر كان مغيّباً باستمرار: الطالب والطالبة اللذان لأجلهما تبذل كل هذه الجهود من مدارس وكتب ومعدات، ولأجل خدمتهما يتم تدريب المدرسين والإداريين. أساس العملية التعليمية مغيب من النظر في جهود الإصلاح والتطوير, وهو في هذه الجهود ليس إلا مُخرجاً، إنساناً تمت تعبئته وتعليبه لسوق العمل. أساس التجاهل يعود إلى العجرفة التي تنبني عليها شخصية المربي (المدرس والإداري العامل في الحقل) المنطلقة من حالة الشك والريبة للطالب والطالبة اللذين يُنظَر إليهما وكأنهما خصمان لدودان, يقفا بالمرصاد يحاولان إفشال كل الجهود الموجهة أصلاً لأجلهما. هذا العدو هو كائن غير منضبط، سيهرب لو لم نقم برصد حضوره وغيابه، وهو شخص أساساً غير أمين، سيغش لو قللنا من رقابته. ولا شك أن عدداً كبيراً من الطلاب لا يخيبون توقعات أساتذتهم، فيغيبون ويغشون ويبذلون كل ما بوسعهم للتملص من واجباتهم ومهامهم المطلوبة منهم. ولذلك فنحن في الصفوف وقاعات المحاضرات نبدأ بالخضوع تدريجياً لفكرة مفادها أن العملية التعليمية هي شيء يشبه خلع الأضراس، ضرورة يكرهها صاحب الأسنان ويكره معها طبيبه. هذه العملية النبيلة التي تجسر الفجوة بين المعرفة ومن يحتاج لها تصبح بقدرة قادر جهداً ثقيلاً على العاملين في حقل التعليم, وجهداً مقيتاً بالنسبة للطلاب والطالبات. وفي هذه الحالة يكمن المأزق والفجوة بين طموحات المعلم وأداء الطالب. من السهل طبعاً أن نلقي كمربين باللائمة على غيرنا: على البيت الذي لم يجهز الطالب بروح تواقة للتعلٌم، أو التعليم العام الذي لم يزوده بالمهارات اللغوية والمعرفية الضرورية للانطلاق، أو البيئة الاجتماعية والترفيهية التي تمتص الطاقة العقلية وتستنفذ وقت الطالب, فتفرغه من القدرة على التجاوب مع ما يدرسه. لكن وبرغم أهمية هذه الأسباب إلا أنها لا تعفينا من مسؤوليتنا: إن هناك شيئاً معتلاً في عملنا، وإننا لم نتصدّ لا لتشخيصه ولا لعلاجه.


نصفّق في المسرح ونموت في المقابر

تأسست في البحرين في هذا الشهر جمعية لحقوق الإنسان. والجديد في الأمر أن الجمعية ضمت في عضويتها التأسيسية سيدتين بحرينيتين, واحدة تدين بالمسيحية والأخرى باليهودية. وتثير مشاركة السيدة “هدى نونو” نقاشاً خفت طويلاً عن دور اليهود العرب ومسؤولياتهم في حياتنا العامة. وهم أي اليهود العرب الذين تناقصت أعدادهم بشكل كبير في المائة سنة الماضية نتيجة الهجرة، يمثلون مفصلاً مفجعاً نتيجة الإقصاء السياسي الذي طالهم ليس فقط مع إنشاء إسرائيل في 1948, بل قبل ذلك بثلاثين عاماً مع إطلاق وعد بلفور.
ولنا أن نتخيل أنفسنا يهوداً متناثرين في الرقعة العربية مباشرة بعد ذلك الوعد المشؤوم: فجأة يتعيّن على كل منا -وإن لم ينتم للحركة الصهيونية- أن يواجه التشكيك واللوم, بل والمقت على شيء لم يكن لنا ذنب في نشوئه… ومثلما فعلت المسيحية الأوروبية في القرون الوسطى فقد توجب على يهود أوروبا أن يعانوا الاضطهاد لا لشيء ارتكبوه, بل بسبب ما ارتكبه أجدادهم من غدر بالمسيح. وعلى المنوال ذاته كان أجدادنا ينظرون للديانة اليهودية على خلفية واقعة خيبر كديانة قوم غدروا بالرسول. وتوجّب على كل يهودي بعد ذلك اختار أن يعيش وسط المسلمين أن يرث خطيئة يهود خيبر دون ذنب وأن يواجه الشك بأنه غادر حتى يثبت خلاف ذلك. لم تكن إسرائيل في الخمسة عقود الماضية هي الوجهة النهائية لأغلب المهاجرين اليهود المقيمين في العالم العربي. أغلب اليهود العرب توجهوا خارج المنطقة بعيداً عن البلاد العربية, وكذلك عن إسرائيل, إلى أوروبا وأمريكا. والأسباب التي تطرح لتفسير هذه الظاهرة متعددة اقتصادية وثقافية, وهي لا تعنينا في هذا السياق, لكن الظاهرة على أية حال تختزل موقفاً أخلاقياً رافضاً المشاركة في جريمة تقاسم أراضي الفلسطينيين. والدلالة الثانية التي لا تقل أهمية, أن هؤلاء المهاجرين إضافة لرفضهم الدخول في المشروع الإسرائيلي, فهم أيضاً خرجوا من المشروع العربي. هؤلاء المهاجرون رفضوا إسرائيل ورفضونا معها أيضاً, وليس صعباً فهم الأسباب وراء ذلك. واجه اليهود تاريخياً حقيقة كونهم رعايا دول إسلامية عاملتهم في كثير من الفترات بتسامح كبير مقارنة بأجواء العداء لهم في أوروبا. ولعل هذا التسامح هو الذي مكّن اليهود من المشاركة الفعلية في الحضارة الإسلامية والعربية في عصرها الذهبي العباسي وإسهامهم الأكبر في الحضارة الإسلامية في الأندلس. بيد أن هذا التسامح تصدّع في فترات عدة حين حكم خلفاء وولاة متعصبون ضيقوا الخناق على أصحاب الديانات المختلفة, بل وضد المذاهب الإسلامية الأخرى. فوق ذلك يجدر التنويه أنه حتى في ظل أفضل الظروف التي عاشها اليهود مع المسلمين فإنهم لم يتمتعوا بما نتعارف اليوم عليه كمواطنين متساوين مع غيرهم في الحقوق والواجبات. فهذه المواطنة ظهرت كأحد نتائج الحداثة الغربية, وهي اشتملت في معناها إلغاء الحكم المطلق, وتوسيع المشاركة السياسية للأفراد في ميادين التشريع, وحقوق التفكير والتعبير ومنع الدولة من التدخل في حقل المعتقد الشخصي للفرد… كل هذا لم يكن موجوداً في حضارتنا الإسلامية والعربية لظروف مختلفة. ولهذا فالذي أتيح فعلياً لليهود برغم أجواء التسامح, أنهم كانوا من أهل الذمة؛ وصفتهم كذميين جعلتهم يتمتعون بحماية الدولة مع فرض الجزية عليهم– إضافة لقيود مختلفة تتزايد وتتناقص بحسب الحكام, من حيث طبيعة أعمالهم وملابسهم ومناطق سكنهم وما يتصل بمختلف شؤونهم الحياتية. والتحوّل الجوهري في وضع اليهود في العالم العربي جاء على يد محمد علي في النصف الأول من القرن 18, الذي خفف الظلم الواقع على الأقليات كجزء من جهوده لتحديث مصر, وألغى الضرائب المفروضة على اليهود والمسيحيين, كما ألغى القانون الذي كان يمنعهم من استخدام الخيول, والذي كان يلزمهم بارتداء ملابس خاصة تميزهم عن غيرهم. ووسع حاكم مصر دائرة التسامح, فصرح لهم ببناء وصيانة معابدهم, وأزال قيود التملك للأرض, ومنحهم المساواة في إجراءات التقاضي. وكان لجهود محمد علي في مصر تأثير كبير على الدولة العثمانية في إطلاق ما سمي بالتنظيمات, وهي تلك الإصلاحات التي انطلقت في عهد السلطان محمد الثاني, والتي ساوت لأول مرة بين الذميين من يهود ومسيحيين وبين باقي المسلمين في الدولة العثمانية. وعلى صعيد الممارسة الفعلية ألغت الدولة في 1855 الجزية, وفي دستور 1876 تمتعت كافة الأقليات بحق التمثيل الكامل في البرلمان. لكن هذه الإصلاحات التي عبّدت الطريق لأول مرة في تاريخنا لمصالحة ومشاركة ندية بيننا وبين اليهود تزامنت مع ولادة الحركة الصهيونية في أوروبا التي اتخذت قراراً باقتطاع الأرض الفلسطينية رغماً عن أهلها. وما أن انتهت الحرب العالمية الأولى حتى نجحت الصهيونية في انتزاع الوعد بوطن في فلسطين من المستعمر البريطاني, وتحقق الوعد بانتهاء الحرب العالمية الثانية. مع ذلك دعونا نحيي اليهود الذين صمدوا لأكثر من نصف قرن وبقوا معنا ورفضوا أن يلتحقوا بالفردوس الصهيوني المزعوم… هؤلاء هم الأبطال الذين صمدوا أمام إغراء الالتحاق بدولة تزعم أنها وجدت لتدافع عنهم إزاء اللاسامية في العالم، وصمدوا في وجه الشك والتعصب والكراهية التي حملها بعضنا لهم, وصمدوا كمواطنين في دول منزوعي الحقوق, مثلهم في ذلك مثل بقيتنا. صمدوا ولم تفتنهم إسرائيل لا كدولة دينية ولا كعصبية قومية ولا كنموذج سياسي… دعونا أيضاً نحيي حتى أولئك اليهود الذي هجرونا، الذين لم يحتملوا الاضطهاد من حكامنا والتعصب من جهلتنا, ولكن الذين صمدوا أيضاً في وجه الغواية الصهيونية ورحلوا بعيداً. نحن لا نلومهم على الرحيل. لأنه فقط في أفق ديمقراطي وتعددي وغير عنصري في عالمنا العربي نستطيع أن نبني هذا الوطن المفتوح للجميع مسلمين ويهوداً ومسيحيين ودروزاً وصابئة وأنيميين (ديانة جنوب السودان) دون تمييز أو تفرقة تقيم جداراً بين الإنسان وأخيه والطائفة والأخرى… أفلست النظرية القومية. لا القومية اليهودية وحسب, بل حتى قوميتنا العربية. أفلست هذه الهويات القاتلة, حسب تعبير معلوف. أفلست لأنها قامت على تعظيم سماتنا الخاصة، وعلى إقصاء من لا يتصف بها. أفلست لأنها أقصت أكراد العراق, كما أقصت بربر شمال أفريقيا، كما هي أقصت أهل جنوب السودان ودارفوره… العروبة سقطت في بلادنا كما سقطت الاشتراكية في روسيا وشرق أوروبا لا لخطأ في العروبة, ولا لذنب ارتكبته الاشتراكية. الخطأ ارتكبه ستالين وماو وبول بوت وتشاوتشسكو كما ارتكبه زعماؤنا العرب الذين ما أن يلمسوا شيئاً, مهما يكن نبله ونقاؤه, حتى يحيلوه إلى شيء دموي ثم إلى جيفة… ماتت العروبة دون ذنب حين توسل بها صدام حسين لتبرير عدوانه على إيران والكويت وشعبه في الشمال والجنوب. وماتت العروبة مع كل الاضطهاد الذي لقيه من ليس عربياً كما لقيه كل عربي على يد قادة عبثوا بكل انتماءاتنا وشكّلوا كل عواطفنا لنكون لا أكثر من مصفقين في مسرحهم… ولننتهي موتى في مقابرهم. وبعد الزلزال ها نحن نرث الخرائب. لكن الأمل باقٍ, بوجود سيدات مثل “هدى نونو” وزميلتها في الجمعية “هالة رمزي فائز”, الأمل بأنهن سيفتحن أفقاً آخر لا يمت بصلة للعدم الذي نعيشه منذ أن عقلنا وجودنا.



كلداري في وزارة الصحة


الموظفة: ... إنهم يتلاعبون بمواصفات الأدوية. الوزير: أنتِ والصيادلة... عصابة!
الموظفة: هم يريدون رفع الأسعار. الوزير: استقيلي أو نقيلك! الموظفة: أنت وزيري والأمر لك. اشتعلت هذه المحاورة على صفحات الصحف في الأسبوعين الماضيين, فصرنا نترقب فصولها التالية بفارغ الصبر وكأننا نشاهد دراما تلفزيونية صاخبة. ولم لا؟ فقد كان محتملاً أن تفقد الموظفة عملها, أو أن يتراجع الوزير عن خططه لخصخصة توريد الأدوية في الوزارة. في النهاية كأي دراما لطيفة تخلّى الوزير عن إقالة الموظفة وانتهت المشكلة على خير, أو على الأقل هكذا تبدو الأمور في ظاهرها. بيد أن التعمق في المشكلة يكشف جانباً من حياتنا العامة ظل غامضاً. حتى وسائل الإعلام انقسمت بين مؤيد لطرف ومؤيد للآخر, وكأنها مباراة رياضية. وقد حان الآن بعد توقف الزوبعة أن نلملم ذيولها بهدوء:
* بداية, فإن التقاليد الإدارية تفترض أن يتوقع قائد كل مؤسسة حكومية الطاعة, بل والدعم من أعضاء فريق العمل معه, لا أن ينازعه أحد منهم سلطاته باتخاذ مواقف ضد مواقفه وقراراته. فوزير كل وزارة هو في النهاية من يتحمل مسؤولية أخطاء العاملين تحت إمرته. ومن هذا المنظور من الواضح أنه ليس من حق الدكتورة "مريم كلداري" أن تعطي لنفسها الحق لتكون وزيرة ظل على طريقة مجلس العموم البريطاني, تواجه القرارات التي لا تأتي على هواها بالمعارضة والنقد.
حتى حديثها أن مشروع خصخصة توريد الأدوية لم يعرض عليها لإبداء الرأي, ليس حقاً وظيفياً لها, بل هو شأن يخضع بشكل محض لرأي رؤسائها الذين قد يرون فائدة لمثل هذا أو لا يرونه. ولنا أن نتخيل أنه لو تُرِك كل موظف ليتخذ موقفاً مضاداً لرئيسه فيما لا يتفق معه من توجهات, فإن مرافق الدولة وإداراتها ستعم فيها الفوضى, وسنفاجأ بأن البلاد أصبحت تمتلك وزراء بقدر عدد موظفيها.
* من جانب آخر, فإن تعامل مسؤول مع موظف "متمرد" على قراراته, لا يمكن أن يأخذ شكل التهديد والوعيد. ويفترض بالمسؤول أن يمتلك بين يديه لوائح وقوانين دقيقة تعالج كل حالة من حالات عدم الانضباط الإداري في فريق عمله تطبق بشكل محايد, أي بعيداً عن سلطة المسؤول عبر محكمة إدارية أو مجلس تحقيق مستقل.
أما أن يقدم المسؤول نفسه بالتهديد والوعيد, فهذا أمر يشكل انتهاكاً لحقوق الموظف الذي يجب أن تُحفظ كرامته وتُصان حقوقه الإدارية ويُعامل كبريء حتى تُثْبِت جهة محايدة ذنبه, عندئذ توقع عليه العقوبة المحددة المتناسبة مع الخطأ لا أقل ولا أثر.
لكن المسألة لا تتوقف عند هذا الحد وحسب. فالقضية الأخطر ليست هي انتقاص صلاحيات مسؤول أو الأمان الوظيفي لمرؤوسيه. القضية الأخطر هي شيء مرتبط بجهة هي فوق المسؤول ومرؤوسيه: حق المواطن, كل مواطن, أن يعرف ما يحدث في المؤسسات العامة التي وضعت لخدمته هو, وليس لخدمة العاملين فيها مهما كانت مواقعهم.
من حقنا أن نفهم ما يحدث في وزارة الصحة وكل مؤسسة عامة, وأن نناقش كل نشاطاتها ومشاريعها بشكل مفتوح. لكن هذا يتعذر دون تعاون من قبل العاملين في هذه المؤسسات, كل العاملين.
قد ينبري أحد بالقول أن هذا التعاون قد يتعارض مع المبدأ الذي ذكرناه من ألا يقوم أحد من أعضاء الفريق باتخاذ مواقف متناقضة مع الموقف الرسمي الذي تتبناه الوزارة. هذا قول وجيه تماماً, ويقتضي الإجابة عليه بشكل دقيق.
تطورت النظم الإدارية في العديد من الدول للموازنة بين الحق العام في معرفة ما يدور في المؤسسات الحكومية, وبين ألا تنتقص ممارسة هذا الحق من ضرورة الانضباط الإداري لفريق العمل في كل مؤسسة حكومية. ولهذا شرعت قوانين من قبيل قانون حرية المعلومات في الولايات المتحدة على سبيل المثال, وهي قوانين لا تحاكي ما نملكه من قوانين مطبوعات ونشر, بل هي قوانين تلزم المؤسسات الحكومية بالشفافية وبإتاحة كل البيانات التي بحوزتها للمواطنين مباشرة أو عبر وسائل الإعلام.
وتعدد هذه القوانين بشكل دقيق تلك المناطق الحساسة في العمل الحكومي المتعذر إتاحتها بشكل مفتوح, كالمعلومات ذات الطابع العسكري والأمني والدبلوماسي, التي قد يُلحِق إنشاؤها أضراراً بالمصلحة الوطنية. ولكن لا يترك للمسؤول الحكومي أن يحدد بمفرده المعلومات الواجب كتمانها عن المعلومات الواجب توفيرها للجمهور, بل تناط مسؤولية التمييز بجهات أخرى عادة ما تكون قضائية. والسبب في هذا واضح, فالمشرّع يدرك أن التمييز إن لم يكن بيدٍ مستقلة فسيؤدي بالضرورة إلى إلغاء الشفافية, ويفتح الباب على مصراعيه للفساد الإداري بكافة ألوانه.
لكن إتاحة المعلومات من قبل العاملين في المؤسسات الحكومية شيء يختلف بشكل واضح عن إدلائهم للمواطنين بآرائهم وتوجهاتهم. فهناك فرق بين إدلاء الدكتورة "مريم كلداري" ببيانات إحصائية أو وصفية عن الوضع الصيدلي بداخل الوزارة, وبين إدلائها بآراء حول ما ينبغي أو لا ينبغي أن تقوم به الوزارة. وإذا كانت هناك حالات رمادية تتلون فيها المعلومات وتتكيف بتوجه أو رأي معين, فمن المفترض أن تفصل المحاكم الإدارية في مثل هذه الحالات ويتحمل الموظف نتيجة خطئه.
بالمقابل فإن قيام وزارة ما بحجب بيانات ومعلومات تكشف عن ارتكاب أخطاء من مسؤولي الوزارة, هي أيضاً مغالطة قانونية يجب أن يلاحَق بها المسؤولون إلى النهاية, وأن يتحملوا العقوبات المنصوص عليها في النظم والقوانين. وإذا ما جاء كشف هذه البيانات على لسان أحد العاملين في المؤسسة العامة, فيجب ألا ننتقده بتهمة مخالفة رؤسائه, فسكوته في هذه الحالة يشكل مشاركة في الخطأ, وتعدياً على الحق العام الذي يسمو على حق رؤسائه في أن يطيعهم. بل على العكس, مثل هذا الموظف أو الموظفة يجب أن يكرّم ويحتفى به كمواطن صالح يتوجب على كل موظف حكومي أن يحتذي به.
ما هي محصلة الزوبعة في وزارة الصحة؟
* إن الحاجة ماسة لنطور نظمنا الإدارية والقانونية, وننشئ محاكم إدارية مستقلة تحمي حقوق الموظفين الحكوميين وتجلي واجباتهم.
** إنه بات ضرورياً أن نطور قوانين ومؤسسات حارسة تضمن حرية تدفق المعلومات من المؤسسات العامة إلى المواطنين, بحيث تتحقق الشفافية والوضوح اللذان يضمنان حسن أداء المؤسسات العامة ووقايتها من خطر الفساد من جانب. ومن الجانب الآخر أن تمكن المعلومات المتاحة الباحثين والمتخصصين ووسائل الإعلام المختلفة لتشخص الظواهر التي تحدث في البلاد بشكل علمي, وما يؤديه ذلك من التصدي للمشكلات التي لا نعرف عنها إلا القليل, وباستباق الظواهر السلبية قبل أن تتفاقم ويتعذر علاجها.

* * *

ناقشنا فيما سلف العلاقة بين الموظف الحكومي ورئيسه وجمهور المواطنين, لكن لم يمس النقاش سبب الخلاف بين الوزير ومديرة إدارة الصيدلية والرقابة الدوائية بالوزارة, ألا وهو موضوع توريد الأدوية في الوزارة بواسطة شركات خاصة, وهو حديث يستحق وقفة مطولة, لأنه يثير مسائل شائكة لا تقل حرجاً عمّا تعرضنا له.


ابني يحقق رقماً قياسياً


أكمل ابني عاماً وهو يقود السيارة، وسعدت بأنه لم يتسبب بحادث مروري. لكن المفاجأة ظهرت عند التجديد السنوي لملكية السيارة، فقد راكم في اثني عشر شهراً قدراً من المخالفات المرورية لم أستطع القيام بها على مدى ٣٦ عاماً من القيادة: سرعات بتهور ووقوف في غير الأماكن المخصصة ومخالفات سالك ـ رقم الغرامة السحري: ٧٤٠٠ درهم. ولم تكتفِ الشرطة بجباية المبلغ فألقت القبض على السيارة المسكينة وحكمت عليها بالحبس لسبعة أيام، في خطوة فريدة من نوعها، إذ كان علي أن أدفع يومياً ١٠٠ درهم تكلفة هذا الحبس،

والغريب أن رجال القانون لم يستهدوا إلى فكرة مماثلة للبشر المحبوسين ـ وبالطبع القادرين في الوقت نفسه على دفع مصروفات ضيافتهم. ماذا نفعل نحن الآباء إزاء تصرفات أبنائنا؟ لحسن الحظ أن الله لطف ولم يتسبب النجل العزيز في التآمر مع الشيطان لقبض روح أحد الأبرياء المارّة في الشوارع وتوقّف الأمر عند الغرامة وحسب. لكن ما العمل الآن؟ ماذا أفعل بعد أسبوع حينما تنال السيارة حريتها؟ وكيف أتعامل مع هذا الشاب الذي ينتظر بفارغ الصبر ليحقق رقماً قياسياً آخر على أبيه؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

العارض المكسيكي في الخليج العربي

”المكسيك بائسة, فهي بعيدة عن الله وقريبة من الولايات المتحدة“. هكذا لخص رئيس المكسيك بورفيريو دياز موري (١٨٣٠-١٩١٥) علاق...